تراث الامة بين يديك

الصحبة الصالحة والعلم النافع
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول
شاطر | 
 

 جمعية العلماء المسلمين الجزائرين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:29 pm

جمعية العلماء المسلمين الجزائري







الدعوة إلى تأسيس جمعية العلماء المسلمين

إن اللبنة الأولى لتأسيس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" كانت سنة 1913 م، وذلك عندما كان الإمام ابن باديس مقيمًا بالمدينة المنورة مع رفيق الدرب العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي، حينما كانا يقضيان جلَّ وقتهما في البحث عن الوضع المتردي للجزائر، وسبيل النهوض بها من كبوتها. وفي ذلك يقول البشر الإبراهيمي : "وَأشْهِدُ الله على أن تلك الليالي من عام 1913 هي التي وضعت فيها الأسس الأولة لجمعية العلماء المسلمين والتي لم تبرز للوجود إلا عام 1931 م".

بعد عشر سنوات من رجوع ابن باديس من الحجاز عام 1913 بدأ تفكيره يتجه إلى توسيع الخطة الإصلاحية التي شرع في تنفيذها بتعليم الناس وإرشادهم وتصحيح أمور دينهم، واستنهاض همم العلماء، تأكد لديه أن معركة الدفاع عن الجزائر وعن مقوماتها لا يمكن أن يقوم بها شخص واحد، أو جماعة محدودة العدد، وبسلاح واحد، لذلك أخذ من سنة 1924 يتطلع إلى الدخول في مرحلة جديدة تتكامل فيها وسائل العمل النضالي ويوجه فيها جهد المخلصين من أبناء هذا الوطن للتصدّي لإفشال سياسة الاستعمار، والقيام بواجب خدمة الوطن والدين واللغة، وإصلاح الأوضاع الثقافية والاجتماعية والسياسية، والسعي إلى تحقيق يقظة فكرية، وبعث شعور قومي، ووعي سياسي وديني، يدفع الحركة الإصلاحية إلى الأمام. وكان من الطبيعي أن يتطلع ابن باديس إلى استكمال الأدوات التي تحتاج إليها الحركة الإصلاحية، وتأسيس الهيئات التي تشد عضده، وتعينه على أداء المهمة الثقيلة، فباشر بعقد اللقاءات مع الشيخ "محمد البشير الإبراهيمي" منذ 1920، تارة في سطيف، وأخرى في قسنطينة، التي كانت تنصب على دراسة الوضع في الجزائر والبحث عن السبل الكفيلة بمعالجة هذا الوضع، بعد هذه اللقاءات الممهدة فكر الشيخ عبد الحميد في أن يخطو خطوة عملية تكون تمهيدا مباشر للشروع في التحضر لتأسيس هذه الجمعية التي ظلت فكرة لم تجد طريقها للتنفيذ، وما يذكر في هذا الصدد قول الشيخ البشير الإبراهيمي : "زارني الأخ الأستاذ عبد الحميد بن باديس – وأنا بمدينة سطيف أقوم بعمل علمي – زيارة مستعجلة في سنة 1924 م، فيما أذكر. أخبرني بموجب الزيارة في أول جلسة وهو أنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإخاء العلمي) يكون مركزها العام بمدينة قسنطينة العاصمة العلمية... تجمع شمل العلماء والطلبة وتوحد جهودهم، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير، وتكون صلة تعارف بينهم، ومزيلة لأسباب التناكر والجفاء.

... وفي تلك الجلسة عهد إلّي الأخ الأستاذ أن أضع قانونها الأساسي فوضعته في ليلة وقرأته عليه في صباحها، فاغتبط به أيما اغتباط... ولما وصل إلى قسنطينة وعرض الفكرة على الجماعة الذين يجب تكوين المجلس منهم أيدوا الفكرة وقرروا القانون بعد تعديل قليل. ثم حدثت حوادث عطلت المشروع وأخبرني الأستاذ باديس بذلك فلم أستغرب لعلمي أن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد...

من الأعمال ما يكون الفشل فيه أجدى من النجاح وهذا هو ما شاهدناه في تأسيس جمعية الإخاء العلمي فقد فشلنا في تأسيسها ظاهرا وفيما يبدو للناس، ولكن المحاولات لم تذهب بلا أثر في المجتمعات العلمية الجزائرية حتى كان من نتائجها بعد أعوام جمعية العلماء المسلمين".

وهكذا بدأت الفكرة تنمو وتختمر في أذهان الذين وصلت إليهم, ومن الأمور التي هيأت الجو الفكري لهذه الجمعية هو أن ابن باديس بادر بإنشاء الصحف التي تنشر الأفكار الإصلاحية والمبادئ التي تقوم عليها هذه الأفكار, حيث دعا ابن باديس في مختلف الصحف إلى اتحاد العلماء وتجمعهم, والاتفاق على خطة عمل لإصلاح الأوضاع الدينية والتعليمية والاجتماعية والسياسية, فهو يشير هنا إلى ضرورة إنشاء جمعية من العلماء.


عدل سابقا من قبل في السبت ديسمبر 01, 2007 3:53 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:30 pm

أول إجتماع لرواد الإصلاح

بعد اللقاءات الممهدة التي كانت تتم بين ابن باديس والبشير الإبراهيمي, تارة في سطيف, وأخرى في قسنطينة, التي كانت تنصب على دراسة الوضع في الجزائر والبحث عن السبل الكفيلة بمعالجة هذا الوضع, فكر الشيخ عبد الحميد في أن يخطو خطوة عملية تكون تمهيدا مباشر للشروع في التحضر لتأسيس هذه الجمعية.

فتوالت الجهود الممهدة لإنشاء هذه الهيئة، ويذكر الشيخ خير الدين في مذكراته أنه في عام 1928 م دعا الشيخ عبد الحميد بن باديس الطلاب العائدين من جامع الزيتونة والمشرق العربي لندوة يدرسون فيها أوضاع الجزائر، وما يمكن عمله لإصلاح هذه الأوضاع، وكان ممن لبى الدعوة من يمكن تسميتهم بـ (رواد الإصلاح) أمثال : البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي، والعربي بن بلقاسم التبسي، ومحمد السعيد الواهري، ومحمد خير الدين، واجتمعوا برئاسة الشيخ عبد الحميد بمكتبه. وقد سطر في هذا الاجتماع برنامج يهدف إلى النهوض بالجمعية المزمع إنشاؤها، فكأن ابن باديس أراد أن يسبق الأحداث، فحدد محاور النشاط الإصلاحي، الذي تضطلع به الجمعية التي دعا إلى إنشائها.

وقد سطر في هذا الاجتماع برنامج يهدف إلى النهوض بالجمعية المزمع إنشاؤها, فكأن ابن باديس أراد أن يسبق الأحداث, فحدد محاور النشاط الإصلاحي, الذي تضطلع به الجمعية التي دعا إلى إنشائها, وفعلا كان ذلك هو البرنامج الذي اتبعته الجمعية بعد ميلادها.

وفي خلال الفترة بين عام 1926 م إلى عام 1930 م برز «نادي الترقي» وأصبح ذا ثقل ثقافي وتأثير جدي فكان ملتقى النخبة المفكرة سواء من كان منهم مقيماً بالعاصمة أو من كان وافداً عليها من الخارج. وكانت تلقى فيه المحاضرات والمسامرات، وتقام فيه الحفلات، وداوم عبد الحميد كلما جاء إلى الجزائر يحاضر فيه أو يسامر أو يجتمع فيه بالشباب الناهض المتوثب من طلبة العلم والمفكرين، فكان النادي بذرة صالحة للنهضة الجزائرية. ولقد تكونت لجنة تحضيرية فيه لتنبثق عنها الجمعية، وكان كاتب اللجنة الشيخ أحمد توفيق المدني ورئيسها السيد عمر إسماعيل
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:31 pm

تأسيس جمعية العلماء المسلمين

تأسست (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بعد الاحتفال بمضي قرن على احتلال الجزائر فكان ذلك رداً عملياً على المحتفلين الذين كانت أصواتهم تردد الجزائر فرنسية وكان شعار العلماء المصلحين "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا"، وقد ظهر هذا الشعار أول ما ظهر مكتوباً على كتاب الجزائر للشيخ أحمد توفيق، ثم تناولته الألسنة والأقلام ولقن لطلبة العلم وذلك يوم الثلاثاء 17 من شهر ذي الحجة عام 1349 هـ الموافق لـ الخامس من ماي 1931 في (نادي الترقي) بالعاصمة إثر دعوة وجهت إلى كل عالم من علماء الإسلام في الجزائر, من طرف (هيئة مؤسسة) مؤلفة من أشخاص حياديين ينتمون إلى نادي الترقي غير معروفين بالتطرف, لا يثير ذكرهم حساسية أو شكوكا لدى الحكومة, ولا عند الطرقيين. أعلنوا : أن الجمعية دينية تهذيبية تسعى لخدمة الدين والمجتمع, لا تتدخل في السياسة ولا تشتغل بها.

لبّى الدعوة وحضر الاجتماع التأسيسي أكثر من سبعين عالما, ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية : (مالكيين واباضيين, مصلحين وطرقيين, موظفين وغير موظفين), كما حضر الاجتماع طلبة العلم من مختلف جهات الوطن.

والجدير بالذكر أن ابن باديس لم يحضر الاجتماع التأسيسي للجمعية من الأول, وكان وراء ذلك هدف يوضحه الشيخ خير الدين أحد المؤسسين الذي حضر الجلسات العامة والخاصة لتأسيس الجمعية, يقول : "كنت أنا والشيخ مبارك الميلي في مكتب ابن باديس بقسنطينة يوم دعا الشيخ أحد المصلحين (محمد عبابسة الأخضري) وطلب إليه أن يقوم بالدعوة إلى تأسيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) في العاصمة وكلفه أن يختار ثلة من (جماعة نادي الترقي) الذين لا يثير ذكر أسمائهم شكوك الحكومة, أو مخاوف أصحاب الزوايا, وتتولى هذه الجماعة توجيه الدعوة إلى العلماء لتأسيس الجمعية (في نادي الترقي بالعاصمة) حتى يتم الاجتماع في هدوء وسلام, وتتحقق الغاية المرجوة من نجاح التأسيس. ويقول الشيخ خير الدين : "وأسر إلينا ابن باديس أنه سوف لا يلبي دعوة الاجتماع ولا يحضر يومه الأول حتى يقرر المجتمعون استدعاءه ثانية بصفة رسمية, لحضور الاجتماع العام, فيكون بذلك مدعوا لا داعيا, وبذلك يتجنب ما سيكون من ردود فعل السلطة الفرنسية وأصحاب الزوايا, ومن يتحرجون من كل عمل يقوم به ابن باديس".

بعد الاجتماع العام الذي انطلق على الساعة الثامنة صادق الجميع بعد التشاور على مشروع القانون الأساسي للجمعية، وفي اليوم الموالي – يوم الأربعاء – على الساعة الثانية بعد الزوال عقد اجتماع بقصد انتخاب الهيئة الإدارية، فاقترحت عليها جماعة فوقع الإجماع على اختيارها، وانفضت الجلسة في الساعة الخامسة مساءا. ثم اجتمع المجلس الإداري عند الثامنة من مساء اليوم نفسه وانتخب الشيخ ابن باديس رئيسا للجمعية وتم استدعائه، كونه كان غائباً حيث لم يحضر معهم في اليوم الأول ولا في اليوم الثان ، وفي اليوم الثالث جاء إلى الاجتماع وألقى كلمة جاء فيها :

"إخواني، إنني قد تخلفت عن جمعكم العظيم اليوم الأول والثاني فحرمت خيراً كثيراً، وتحملت إثماً كبيراً، ولعلكم تعذرونني لما لحقت في اليوم الثالث، وأذكر لحضراتكم ما تعلمونه من قصة أبي خيثمة الأنصاري لما تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ثم لحقه فقال الناس هذا راكب يرفعه الإل ويضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كن أبا خيثمة ، فقالوا : هو أبو خيثمة، فاعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل عذره ودعا له بخير. ومثلكم من كان له في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة." هكذا كان يستلهم أقواله وأفعاله من السنة النبوية.

وألقى خطاباً آخر في ذلك الاجتماع عندما باشر مهام الرئاسة، هذا نصه :

"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. إخواني، إنني ما كنت أعد نفسي أهلاً للرئاسة لو كنتُ حاضراً يوم الاجتماع الأول، فكيف تخطر لي بالبال وأنا غائب ؟ لكنكم بتواضعكم وسلامة صدوركم وسمو أنظاركم جئتم بخلاف اعتقادي في الأمرين فانتخبتموني للرئاسة.

إخواني، كنت أعد نفسي ملكاً للجزائر أما اليوم فقد زدتم في عنقي ملكية أخرى ، فاللهَ أسأل أن يقدرني على القيام بالحق الواجب.

إخواني إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي، وإنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا: الأول إنني قَصَرْتُ وقتي على التعليم فلا شغل لي سواه فأردتم أن ترمزوا إلى تكريم التعليم إظهاراً لمقصد من أعظم مقاصد الجمعية وحثاً لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده، الثاني : أن هذا العبد له فكرة معروفة، وهو لن يحيد عنها ولكنها يبلغها بالتي هي أحسن، فمن قبلها فهو أخ في الله، ومن ردها فهو أخ في الله، فالأخوّة في الله فوق ما يقبل وما يرد، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل، وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام."

وهكذا تأسست الجمعية, وتشكل مجلسها الإداري المنبثق عن الاجتماع العام, على النحو التالي :

1- الرئيس : عبد الحميد بن باديس

2- نائب الرئيس : محمد البشير الإبراهيمي

3- الكاتب العام : محمد الأمين العمودي

4- نائب الكاتب العام : الطيب العقبي

5- أمين المال : مبارك الميلي

6- نائب أمين المال : إبراهيم بيوض

أعضاء مستشارين :

1- المولود الحافظي

2- الطيب المهاجي

3- مولاي بن شريف

4- السعيد اليجري

5- حسن الطرابلسي

6- عبد القادر القاسمي

7- محمد الفضيل اليراتني

ونظرا لكون أغلب أعضاء المجلس يتواجدون بعيدا عن العاصمة بحكم ظروفهم السكنية، تقرر تعيين لجنة دائمة يكون أفرادها ممن يقيمون بالعاصمة, تتألف من خمسة أعضاء, تكون على اتصال دائما برئيس الجمعية بقسنطينة، وتتولى التنسيق بين الأعضاء, وتحفظ الوثائق, وتضبط الميزانية, وتحضر للاجتماعات الدورية للمجلس الإداري، وقد شُكلت على الوجه التالي :

1- عمر إسماعيل رئيسا.

2- محمد المهدي كاتبا.

3- آيت سي أحمد عبد العزيز أمينا للمال.

4- محمد الزميلي عضوا

5- الحاج عمر العنق عضوا

شهد العام الثاني من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بداية ميلادها الحقيقي ومساهمتها في الحركة الإصلاحية في بلادنا، فقد كان هذا العام 1932 حدا فاصلا بين عهدين، ومرحلة انتقال من الفوضى والاضطرابات إلى التنظيم والعمل الدقيق، فقد خابت مؤمرات أعداء المصلحين، وردّ الله كيهم من نحورهم، وتأسس المجلس الثاني من رجال جمعت بينهم الرغبة الصادقة في الإصلاح والتعاون على البر والتقوى، لم يدّخروا جهدا في سبيل تحقيق غايتهم النبيلة وسادت بينهم مبادئ الأخوة الصادقة فحقق الله على أيديهم خيرًا كبيرًا للعباد والبلاد وقد ضم المجلس الإداري لجمعية العلماء في عامها الثاني الأسماء التالية :

1- ابن باديس رئيسا

2- البشير الإبراهيمي نائبه

3- محمد الأمين العمودي كاتبا عاما

4- العربي التبسي نائبه

5- مبارك الميلي أمين عام

6- أبو اليقظان نائبه

الأعضاء المستشارون :

1- الطيب العقبي

2- السعيد الزاهري

3- محمد خير الدين

4- علي أبو الخيار

5- يحي حمودي

6- قدور الحلوي

7- عبد القادر بن زيان

لجنة العمل الدائمة :

1- أبو يعلا الزواوي رئيسا

2- رودوس محمود كاتبا

3- محمد بن مرابط أمين المال

4- رشيد بطحوش مستشارا

5- محمد بن الباي مستشارا

وحتى يسهل الإشراف على متابعة العمل الإصلاحي, وتنشيط العمل التربوي, الذي يقدم في المدراس الحرة, التي بدأت تنتشر في أرجاء القطر, كلف الإمام عبد الحميد بن باديس باقتراح من الجمعية الشيخ الطيب العقبي بأن يتولى الإشراف على العمل الذي يجري في العاصمة وما جاورها, وكلف الشيخ البشير الإبراهيمي بأن يتولى العمل الذي يجري بالجهة الغربية من البلاد, انطلاقا من تلمسان, وأبقى بقسنطينة وما جاورها تحت إشرافه شخصيا, وهكذا تقاسم الثلاثة العمل في القطر كله.

وتنفيذا لما تضمنه القانون الأساسي للجمعية تم إحداث فروع لها (شعب) في جهات مختلفة من القطر, ففي السنة الأولى تم تأسيس 22 شعبة, وفي سنة 1936 كان عدد الشعب 33 شعبة, أما في سنة 1938 فقد تطور العدد إلى 58 شعبة, واستمر هذا الجهد التعليمي والإصلاحي رغم العراقيل والاضطهادات التي كان العلماء والمعلمون عرضة لها, ولكن الملاحظة التي يجب تسجيلها هنا هي أن الشعب أقبل على التعليم الحر بكيفية خارقة للعادة, لذلك انتشرت المدارس في جميع مدن الجزائر وقراها.

وبعد مضي ست سنوات من عمر الجمعية, بادر الإمام عبد الحميد بن باديس بوضع إطار حرّ وشامل للجمعية وهو أشبه بميثاق أو دستور وضعه لتسير على هديه الجمعية في نشاطها الإصلاحي والتعليمي, فحدد من خلال هذا الإطار ما اسماه "بدعوة جمعية العلماء وأصولها" ونشره في مجلة الشهاب العدد الرابع, المجلد الثالث عشر في جوان 1937 ثم طبع ووزع على العموم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:32 pm

الظروف والعوامل التي ساعدت على نشأت وظهور الجمعية

كما مرّ معنا، فقد بُذلت جهود كبيرة لتجميع وحشد القوى والطاقات تحت راية واحدة، لمواجهة التحديات والأخطار المحدقة بالأمة، مع ذلك فقد تضافرت ظروف عديدة وعوامل كثيرة، ساهمت جميعها في إظهار (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) إلى الوجود، نذكر منها ما يلي:

1 ـ الظروف التي نشأت فيها الجمعية :

أ ـ مرور قرن كامل على الاحتلال الفرنسي للجزائر، واحتفال الفرنسيين بذلك، استفزازًا للأمة، وإظهارًا للروح الصليبية الحاقدة التي يضمرونها للإسلام والمسلمين.

ب ـ التحضير للمؤتمر الإسلامي الذي عُقد في القدس برئاسة الحاج أمين الحسيني، في ديسمبر 1931م، الذي كان هدفه توحيد الصف الإسلامي بعد سقوط الخلافة الإسلامية. في تلك الظروف المفعمة بالتحديات، ظهرت جمعية العلماء للوجود.

2 ـ العوامل التي ساعدت على نشاة الجمعية :

يحدّد الشيخ محمّد البشير الإبراهيميّ هذه العوامل فيحصرها في أربعة:

1- آثار الشّيخ محمّد عبده؛ وذلك بطريقة المعارضة الشّديدة من الفقهاء الجزائريّين المتزمّتين لأفكاره التي كانت تتسرّب إلى الجزائر بواسطة مجلّة "المنار"؛

2- الثورة التّعليميّة التي أحدثها الأستاذ الشّيخ عبد الحميد بن باديس بدروسه الحيّة ؛

3- التّطوّر الفكريّ الذي طرأ على عقول النّاس في عقابيل الحرب العـالميّة الأولى؛

4- إيَاب طائفة من المثقّفين الجزائريّين الذين كانوا يعيشون في المشرق العربيّ، ولا سيّما في الحجاز والشّام، وأبرزهم الإبراهيميّ، والعقبيّ.

ونضيف إلى هذه العوامل الأربعة التي ذكرها الشيخ الإبراهيميّ، ثلاثة عواملَ أخراةٍ؛ قد لا تقلّ أهمّيّة عن الأربعة؛ وهي:

1- اشتداد تأثير الحركات الصّوفيّة بالجزائر، وازدياد نشاطها، وتكاثر طرائقها حتّى جاوزت العَشرَ، وحتّى اكتسحت جميع المدن والقرى، بل البوادي أيضا، في الجزائر، فأمست تصول وتجول، فلم يكن شيءٌ يُتداول بين مستنيري النّاس غير الفكر الصّوفيّ الذي لا يجاوز سِيَر الشّيوخ وكراماتهم؛ وميل أهل التّصوّف، من عوامّهم خصوصاً، إلى الإغراق في الرّوحيّات، والكلَف الشّديد بالخوض في أمور الغيب على سبيل اليقين، والتّعلّق المثير بمَشاهد البَرَكة والمناقب والكرامات.

2- اشتداد شراسة الاستعمار الفرنسيّ، ومبالغته في محاربة اللّغة العربيّة والدّين الإسلاميّ والتّمكين للتّخلّف الذهنيّ والشّعْبَذة لدى النّاس، وتشجيع ممارسات وطقوس فلكلوريّة ليست من الدّين الصّحيح في شيء: إلى حدّ الهوَس.

3- شيوع الجهل بين عامّة الجزائريّين حيث كانت الأمّيّة تجاوز ثمانين في المائة في أوساط الجزائريّين من الذكور، وربما كانت تجاوز تسعين في المائة في أوساط الجزائريّات. ولذلك نجد الأستاذ المرحوم محمّد إبراهيم الكتّانيّ الذي كان شديد الإعجاب بالحركة الإصلاحيّة في الجزائر فكان لا يزال يتحدّث عنها بتقدير وإعجاب لطلاّبه بجامعة الرّباط : يُرَاعُ للحالة التي كان الجزائريّون عليها في العِقد الرّابع من القرن العشرين (وقد ازدار الجزائرَ عام خمسة وثلاثين وتسعمائة وألف) حين يقول: " شاهدت من تعاسة المسلمين ودينهم ولغتهم ما لم أكن أتصوّر أنّ الحالة وصلت إلى معشاره: جهل باللّغة العربيّة فظيع، وطمْس لمعالم الدّين شنيع…
"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:33 pm

أهداف جمعية العلماء

لقد كان ابن باديس ورفاقه أعضاء جمعية العلماء، من الحصافة بمكان، حيث أبدوا أشياء وأضمروا أخرى، مكتفين في تصريحاتهم الرسمية بإعلان الدعوة إلى الإصلاح الديني والتعليمي حذرًا. فقد جاء على لسان رئيسها: (أن الجمعية يجب أن لا تكون إلا جمعية هداية وإرشاد، لترقية الشعب من وهنت الجهل والسقوط الأخلاقي، إلى أَوْج العلم ومكارم الأخلاق، في نطاق دينها الذهبي وبهداية نبيها الأمي، الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، عليه وآله الصلاة والسلام، ولا يجوز بحال أن يكون لها بالسياسة وكل ما يتصل بالسياسة أدنى اتصال، بعيدة عن التفريق وأسباب التفريق...).
ويضيف ابن باديس قائلاً: (إن المسلمين هم السواد الأعظم في وطنهم، فإذا تثقفوا بالعلم، وتحلوا بالآداب، وأُشْرِبُوا حبّ العمل، وانبعثت فيهم روح النشاط، كان منهم كل خير لهذا الوطن وسكانه على العموم، بما يُسرّ به الحاكم والمحكوم).
ويختصر لنا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مهمة الجمعية بقوله: (إن المهمة التي تقوم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأدائها، وهي السير بهذه الأمة إلى الحياة عن طريق العلم والدين، هي أقوم الطرق وأمثلها وأوفقها لمزاج الأمة...).
والحقيقة أن جمعية العلماء المسلمين، أدركت بوضوح أن العلة في بقاء الاستعمار جاثمًا على صدر الأمة دهـرًا طويلاً، تكمـن في ما يسمى بالقابلية للاستعمار، والتي مردها إلى ما طرأ على الشعب من انحراف في عقيدته وفكره، وأن العلاج الصحيح يتمثل في إزالة تلك العلة من أساسها، وهو ما يعبّر عنه الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، بقوله: (إن القضية عندنا منوطة أولاً بتخلصنا مما يستغله الاستعمار في أنفسنا من استعداد لخدمته). أو كما قال أحد الصالحين: (أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم). وذلك مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(الرعد:11).

ويمكننا القول: بأن الجمعية ركّزت في مراحلها الأولى على الأهداف التالية:

1 ـ إصلاح عقيدة الشعب الجزائري، وتنقيتها من الخرافات والبدع، وتطهيرها من مظاهر التخاذل والتواكل التي تغذيها الطرق الصوفية المنحرفة.

2 ـ محاربة الجهل بتثقيف العقول، والرجـوع بها إلى القــرآن والسنــة الصحيحة، عن طريق التربية والتعليم.

3 ـ المحافظة على الشخصيـــة العربيــة الإسلاميــة للشعـب الجزائـــري، بمقاومة سياسة التنصير والفرنسة التي تتبعها سلطات الاحتلال.

والشيء الذي تجدر الإشارة إليه في هذا المجال، هو أنه رغم أن الفصل الثالث من القانون الأساس للجمعية، يحرّم عليها الخوض في المسائل السياسية، إلا أن هذه الأخيرة قد تركت لأعضائها كامل الحرية للخوض في السياسة، بصفتهم الشخصية لا بوصفهم أعضاء فيها، حفاظًا على كيان الجمعية واستمرار مسيرتها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:34 pm

من مواقف جمعية العلماء

من خلال الأهداف التي حددتها الجمعية لنفسها، تظهر المسؤولية العظيمة التي تصدّرت للقيام بأعبائها، وفيما يلي نذكر بعضًا من مواقف الجمعية في الإصلاح الديني، بمعناه الشامل:

الجمعية والتعليم:

لقد أدركت جمعية العلماء أهمية التربية والتعليم في تحقيق مقاصدها العقيدية والفكرية، فركّزت على التعليم الإسلامي العربي، وإنشاء المدارس، وحثّ الأمة وتشجيعها على إرسال أبنائها إلى مدارسها، بغية تعليم وتثقيف أكبر عدد ممكن من أبناء المسلمين، فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته.

وجّهت الجمعية اهتمامها إلى التعليم المسجدي، إدراكًا منها بأن (المسجد والتعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهـر الإسلام... فكما لا مسجد بدون صلاة، كذلك لا مسجد بدون تعليم).. وعليه، وضعت برامج واسعة لنشر التعليم الديني والعربي للصغار المبتدئين، وتكميل معلومات من درسوا باللسان الأجنبي، كما لم تحرم الكبار من دروس الوعظ والإرشاد ومحو الأمية، فشيّدت لذلك المدارس وفتحت النوادي لإلقاء المحاضرات في التهذيب وشؤون الحياة العامة.

ولم يقتصر دور جمعية العلماء التربوي والتعليمي داخل الوطن فحسب، بل رافق أبناء الجزائر الذي هاجروا إلى فرنسا حيث يشكلون جالية كبيرة.

فقد تنبّهت الجمعية إلى الأخطار المحدقة بأولئك المهاجرين الـمُعَرَّضِين لخطر الذوبان في الحضارة الأوروبية، والابتعاد عن أصول دينهم، فأرسلت إليهم المعلمين والوعاظ والمرشدين، وأسست النوادي والمدارس لتعليم أبنائهم.

وقد كانت جهود الجمعية في هذا الميدان تدور على محاور ثلاثة:

1 ـ إحداث مكاتب حرّة للتعليم المكتبي للصغار.

2 ـ دروس الوعظ والإرشاد الديني في المساجد العامة.

3 ـ تنظيم محاضرات في التهذيب وشؤون الحياة العامة، في النوادي.

الجمعية وتعليم المرأة :

كان الجمود واقفا في سبيل المرأة ومانعًا من تعليمها، فجاءت جمعية العلماء وأذابت الجمود وكسرت السدود وأخرجت المرأة من سجن الجهل إلى فضاء العلم في دائرة التربية الإسلامية والمنزلية التي وضعت المرأة فيها، والجمعية تبني أمرها على حقيقة وهي أن الأمة كالطائرة لا تطير إلا بجناحين، وجنحاها هما الرجل والمرأة، فالأمة التي تخص الذكر بالتعليم تريد أن تطير بجناح واحد، فهي واقعة لا محالة. ولجمعية العلماء جولات موفقة في هذا الميدان، فالنساء أصبحن يشهدن دروسًا خاصةً بهن في الوعظ والإرشاد ويفهمن ما للمرأة وما عليها.

وفي مدارس جمعية العلماء نحو ثلاثة عشر ألف بنت يشاركن الأولاد في السنوات الثلاث الأولى من المرحلة الابتدائية، ثم ينفردن ببرنامج محكم.

الجمعية والطرق الصوفية:

كما ذكرنا عند حديثنا عن نشأة جمعية العلماء، بأن مجلسها الإداري الأول لم يكن منقحًا ولا متجانس الأفكار، فقد ضمّ إلى جانب رجال الإصلاح، بعض الطرقيين ورجال الدين الرسميين، الذين أخفقوا في احتواء الجمعية وتصريفــها وفـــق مصالحهم وأهوائهم، (فما أكملوا السنة الأولى حتى فرّوا من الجمعية، وناصبوها العداء، واستعانوا عليها بالظلمة، ورموها بالعظائم... ذلك لأنهم وجدوا كثيرًا من الآفات الاجتماعية التي تحاربها الجمعية، هم مصدرها، وهي مصدر عيشهم، ووجدوا قسمًا منها مما تُغْضِبُ محاربته سادتهم ومواليهم).
وبدعم من سلطات الاحتلال، تأسست (جمعية علماء السنة) في خريف سنة 1932م، تضم الطرقيين ورجال الدين الرسميين إضافة إلى بعض العلماء المأجورين، لمناهضة جمعية العلماء، ومناصبتها العداء.. ودعّموا حملتهم بإصدار بعض الصحف، منها (المعيار) و(الرشاد)، وقد انضمت إلى هذه الحملة جريدة النجاح التي كانت في بدايتها إصلاحية.

لم يكن الموقف الحازم الذي وقفته الجمعية تجاه انحرافات الطرقيين وليد نشـأتها، بل كان امتدادًا للنهج الذي سار عليه ابن باديس والمصلحون من قبل.

ولقد علمت الجمعية بعد التروي والتثبت، ودراسة أحوال الأمة ومنشئ أمراضها، (أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام، هي سبب تفرّق المسلمين... وأنها هي السبب الأكبر في ضلالهم في الدين والدنيا).. ويوضح لنا الشيخ الإبراهيمي الدوافع وراء محاربة ضلالات الطرقيين، فيقول: (ونعلم أننا حين نقاومها، نقاوم كل شرّ، وأننا حين نقضي عليها -إن شاء الله- نقضي على كل باطل ومنكر وضلال).

الجمعية والتجنيس :

كانت سياسة فرنسا منذ وطئت أقدام جيوشها أرض الجزائر، ترمي إلى الإدماج السياسي الكامل لهذا الوطن، وتذويب شعبه في ثقافتها الغربية، تمهيدًا لفرنسته وتنصيره.

ومع تعاقب الأحقاب، ظهرت بين الجزائريين فئة تربت في مدارس الاستعمار، تدعو وترغّب في التجنّس بالجنسية الفرنسية، والتخلي عن أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، بغية الحصول على بعض الحقوق السياسية، ولم تكن جمعية العلماء لتسكت عن هذه المسألة الخطيرة، بل كانت أول من تصدى لها وحاربها في الخطب العامة، والمحاضرات وفي الصحف، موضحة حكم الإسلام في ذلك.. ولما أصرّ دعاة التجنس على توسيع دعايتهم، وعقدوا اجتماعهم العام في ربيع سنة 1934م، لمطالبة الحكومة بتسهيل التجنيس، سعيًا منهم لتكثير سوادهم، أصدرت جمعية العلماء على لسان رئيسها، الفتوى الشهيرة بتكفيــر مــن يتجنس بالجنسيــة الفرنسيــة، ويتخلـى عن أحكــام الشريعــة الإسلامية، جاء فيهـــا: (التجنـس بجنسيــة غيــر إسلاميــة يقتضـي رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكمًا واحدًا من أحكام الإسلام، عُدَّ مرتدًا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنّس مرتدّ بالإجماع).

ورغم المضايقات الشديدة من طرف الاستعمار، حققت جمعية العلماء نجاحًا كبيرًا في تصحيح عقائد الجزائريين، وتطهيرها من شوائب الشرك، والرجوع بهم إلى منابع الإســلام الأصيلــة، كتــاب الله وسنـة رسوله صلى الله عليه و سلم يستنيرون بها في دينهم ودنياهم، مقدمة لهم العلم النافع، فالتفّ حولها الشعب وآزرها وأيّدها -بإذن الله- في وقت كانت تتناثر فيه الجمعيات كحَبِّ الحَصيد. وقبل أن أختتم الكلام عن جمعية العلماء، لا يفوتني في هذا المقام أن نتعرف على أولئك الأسود الأشاوس، رجال العلم، الذين ساهموا بقوة في تأسيس هذه الجمعية المباركة، والذين شدّوا أزر الإمام ابن باديس، وأولوه شرف الثقة والإخلاص، نذكر منهم:

1 ـ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889-1965م)، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ثم رئيسًا لها بعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1940م، من أبرز قادة الحركة الإصلاحية السلفية في العالم العربي، عضو المجامع العلميّة العربية في القاهرة ودمشق وبغداد، عالم بالأدب والتاريخ واللغة العربية وعلوم الدين.

2 ـ الشيخ الطيب بن محمد العقبي (1890-1960م)، كاتب، صحفي، وخطيب، من رجالات الحركة الإصلاحية الإسلامية، هاجر مع أسرته إلى المدينة المنورة سنة 1895م، أخذ العلم عن مشايخها، ودرّس بالمسجد النبوي الشريف، ولاّه الشريف حسين رئاسة تحرير جريدة (القبلة)، خلفًا للكاتب الإسلامي الشهير (محب الدين الخطيب)، عاد إلى الجزائر سنة 1920م، أصدر جريدة (الإصلاح)، وشارك في تأسيس جمعية العلماء، واختير نائبًا للكاتب العام بها، تولى الوعظ والإرشاد في (نادي الترقي) بالعاصمة، استقال من الجمعية قبيل الحرب العالمية الثانية، حين عارضه أغلب أعضاء الجمعية في مسألة تأييد فرنسا في حربها ضد ألمانيا.

3 ـ الأستاذ محمد الأمين العمودي (1890-1957م): شاعر، وصحفي، من رجالات الحركة الإصلاحية، اشتغل بالمحاماة الشرعية، اختير أول كاتب عام لجمعية العلماء سنة 1931م، نظرًا لمقدرته الكتابية بالعربية والفرنسية. أنشأ جريدة الدفاع Défense La للدفاع عن حقوق الشعب الجزائري، وشارك في أغلب الصحف الإصلاحية.

4 ـ الشيخ العربي بن بلقاسم التبسيّ (1895-1957م): أحد رجال الفكر الإصلاحي، ومن أبرز أعضاء جمعية العلماء، درس في الزيتونة والأزهر، اختير سنة 1935م كاتبًا عامًا للجمعية، ثم نائبًا لرئيسها الشيخ الإبراهيمــي سنــة 1940م، وكــان مديــرًا لمعهــد ابن بـــاديس بقسنطينــة سنة 1947م، خطفه الفرنسيون في 17 أبريل سنة 1957م واغتالوه.

5 ـ الشيـخ مبـارك بن محمد الميلي (1897-1945م): أحد أقطاب الحركة الإصلاحية تعليمًا وتأليفًا، ثم تكوينًا وتسييرًا (يمتاز في كتاباته بدقة التحليل، وعمق التفكير، ولذلك كان يُطلق عليه: فيلسوف الحركة الإصلاحية)، تولى رئاسة تحرير جريدة (البصائر)، لسان حال جمعية العلماء، كما كان مسؤول المالية في الجمعية.
من مؤلفاته: رسالة الشرك ومظاهره، وتاريخ الجزائر في القديم والحديث، في جزأين.

هؤلاء هم أبرز رجالات الجمعية الذين حملوا مشعل الإصلاح، وصارعوا ظلمات الجهل والانحراف،(وصبروا وصابروا من أجل الحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية للشعب الجزائري، وهم في ذلك كمثل السحاب ساقه الله إلى بلد ميت، فلا يقلع حتى يُحييه... وإن سائق المطر للبلد الميت، هو سائق هذه الجمعية لهذا الوطن المشرف على الموت... وإن جاعل المطر سببًا في إحياء هذه الأرض، هو جاعل هذه الجمعية سببًا في إحياء هذا الوطن).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:37 pm

جمعية العلماء المسلمين والثورة

بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لتأييد الثورة التحريرية

عندما اندلعت الثورة الجزائرية المباركة (ثورة أول نوفمبر 1954) لم يتكلم أي حزب أو هيأة أو جمعية أو أي شخص ينتسب إلى أي منظمة جزائرية أبدا، بل الكل سكت وبقي يراقب الأحداث. ولم يعلن أي أحد في هذا الظرف تأييده للثورة. ما عدا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. التي بادرت في الحين بتأييد الثورة ومساندتها ومطالبة الشعب الجزائري بنصرتها ودعمها والانضمام إليها.

أوّل من أيد الثورة باسم العلماء الورتيلاني

أن أول من بارك الثورة وأعلن تأييده لها باسم جمعية العلماء، هو مندوب جمعية العلماء في القاهرة الشيخ الفضيل الورتيلاني، وذلك يوم 3 من نوفمبر 1954. إذ أصدر بيانا في الجرائد المصرية وغيرها. بعنوان (إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر اليوم حياة أو موت بقاء أو فناء) حياكم الله أيها الثائرون الأبطال، وبارك في جهادكم وأمدكم بنصره وتوفيقه. وكتب ميتكم في الشهداء الأبرار، وحيكم في عباده الأحرار. لقد أثبتم بثورتكم المقدسة هذه عدة حقائق.

الأولى أنكم سفهتم دعوى فرنسا المفترية التي تزعم أن الجزائر راضية مطمئنة فاريمتوها أن الرضى بالاستعمار كفر، وأن الاطمئنان لحكمه ذل. وأن الثورة على ظلمها فرض.

الثانية أنكم شددتم عضد إخوانكم المجاهدين في تونس ومراكش. وقويتم آمالهم في النصر، وثبتم عزائمهم في النضال...

الثالثة أنكم وصلتم بثورتكم هذه حلقات الجهاد ضد المعتدين الظالمين. الذي كان طبيعة دائمة في الجزائر منذ كان. وكشفتم عن حقيقة الرائعة في أباء الضيم والموت في سبيل العزة, وجلوتم عن نفسيته الجبارة ما علق بها في السنين الأخيرة من صداء الفتور.

الرابعة أنكم بيضتم وجوها، وأقررتم عيونا، وسررتم نفوسا، مملوءة بحبكم معجبة بصفحاتكم القديمة في الجهاد رائية لحالتكم الحاضرة.

أيها المجاهدون الأحرار، إن فرنسا لم تترك لا دينا ولا دنيا إلى أن يقول : اعلموا أن الجهاد للخلاص من هذا الاستعباد. قد أصبح اليوم واجبا عاما مقدسا، فرضه عليكم دينكم, وفرضته قوميتكم. وفرضته رجولتكم. وفرضهُ ظلم الاستعمار الغاشم الذي شملكم, ثم فرضته أخيرا مصلحة بقائكم. لأنكم اليوم أمام أمرين، إما الحياة أو الموت. إما بقاء كريم أو فناء شريف(1).



عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة

الفضيل الورتيلاني

1- الجزائر الثائرة : للشيخ الفضيل الورتيلاني ص : 170 – 171، طبع بيروت، سنة 1963.



رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يوجه نداء إلى الشعب الجزائري

بمناسبة اندلاع الثورة يوم 1 نوفمبر 1954 (1)

نشر في الصحف الشرقية وتحت يدي نسخة منه

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

أيها المسلمون الجزائريون :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

حياكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نورًا يمشي من بين يديها ومن خلفها، هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصم، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، وهذا هو المنطق الذي يقوم القلوب الغلف وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب الأوهام.

وكان العالم يسمع بلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم، فيعجب كيف لم تثوروا، وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيء على الموت العاجل المريح، وكانت فرنسا تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية في الحروب الاستعمارية فتموّتُ عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محمدة، بل في سبيل فرنسا وتوسيع ممالكها وحماية ديارها، ولو أن العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل تحرير الجزائر لماتوا شهداء، وكنتم بهم سعداء.

أيها الاخوة الجزائريون :

احتلت فرنسا وطنكم منذ قرن وربع القرن وشهد لكم التاريخ بأنكم قاومتموها مقاومة الأبطال، وثرتم عليها مجتمعين ومتفرقين نصف هذه المدة فما رعت في حربها لكم دينا، ولا عهدا، ولا قانونا، ولا إنسانية، بل ارتكبت كل أساليب الوحشية، من تقتيل النساء والأطفال والمرضى، وتحريق القبائل كاملة بديارها وحيواناتها وأقواتها.

ثم حاربتم معها في صفها وفي سبيل بقائها نصف هذه المدة، ففتحت بأبنائكم الأوطان وقهرت أعداءها وحمت وطنها الأصلي، فما رعت لكم جميلا، ولا كافأتكم بجميل، بل كانت تنتصر بكم ثم تخذلكم، وتحيا بأبنائكم ثم تقتلكم، كما وقع معها في شهر مايو سنة 1945، وما كانت قيمة أبنائكم الذين ماتوا في سبيلها وجلبوا لها النصر، إلا أنها نقشت أسماء بعضهم في الأنصاب التذكارية، فهل هذا هو الجزاء ؟

طالبتموها بلسان الحق والعدل والقانون والإنسانية من أربعين سنة، بأن ترفق بكم وتنفس عنكم الخناق قليلا فما استجابت، ثم طالبتموها بأن ترد عليكم بعض حقوقكم الآدمية فما رضيت، ثم طالبتموها بحقكم الطبيعي الذي يقركم عليه كل إنسان وهو إرجاع أوقافكم ومعابدكم وجميع متعلقات دينكم، فأغلقت آذانها في إصرار وعتو، ثم ساومتموها على حقوقكم السياسية بدماء أبنائكم الغالية التي سالت في سبيل نصرها، فعميت عيونها عن هذا الحق الذي يقرره حتى دستورها، ثم هي في هذه المراحل كلها سائرة في معاملتكم من فظيع إلى أفظع.

أيها الأخوة الجزائريون الأبطال :

لم تبُقِ لكم فرنسا شيئا تخافون عليه أو تدارونها لأجله، ولم تبق لكم خيطا من الأمل تتعللون به، أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها ؟ أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها؟ أم تخافون على الأموال وقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه ؟ أم تخافون على الأرض وخيراتها، وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعا أسعدكم من يعمل فيها رقيقا زراعيا معها ويشتري، حظكم من خيرات بلادكم النظر بالعين والحسرة في النفس! أم تخافون على القصور وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف ؟ أم تخافون على الدين، ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله، ويا ويل فرنسا من الإسلام الذي ابتلعت أوقافه وهدمت مساجده، وأذلت رجاله، واستعبدت أهله ومحت آثاره من الأرض، وهي تجتهد في محو آثاره من النفوس.

أيها الأخوة المسلمون :

إن فرنسا لم تبق لكم دينا ولا دنيا، وكل إنسان في هذا الوجود البشري إنما يعيش بدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدها فبطن الأرض خير له من ظهرها.

وإنها سارت بكم من دركة إلى دركة حتى أصبحت تتحكم في عقائدكم وشعائركم وضمائركم، فالصلاة على هواها، والحج بيدها لا بأيديكم، والصوم برؤيتها لا برؤيتكم، وقد قرأتم وسمعتم من رجالها المسئولين عزمها على إحداث » إسلام جزائري « ومعناه إسلام ممسوخ، مقطوع الصلة بمنبعه في الشرق وبأهله من الشرقيين.

إن الرضى بسلب الأموال قد ينافي الهمة والرجولة، أما الرضى بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين، والرضى به كفر بالله وتعطيل للقرآن.

إنكم في نظر العالم العاقل المنصف لم تثوروا، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعتوها الطاغي، واستعبادها الفظيع لكم قرنا وربع قرن، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم، وتعديها على دينكم.

إن أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه من زمان بعيد، ولكنكم صبرتم، ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي، فأعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم، إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي.

إن شريعة فرنسا أنها تأخذ البريء بذنب المجرم، وإنها تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة وهي أنها عدوٌّ لكم وأنكم عدوٌّ لها، و والله لو سألتموها ألف سنة لما تغيرت نظرتها العدائية لكم، وهي لذلك مصممة على محو دينكم وعروبتكم وجميع مقوماتكم. إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت.

إنكم كتبتم البسملة بالدماء في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم. ما كان للمسلم أن يخاف وهو يعلم إنها كتاب مؤجل، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو بمهجته في سبيل الله والانتصار لدينه، وهو يعلم أنها مبايعة مع الله، وما كان له أن يرضى الدنية إذا رضيها في دنياه. أخلصوا العمل لله، وأخلصو بصائركم في الله، واذكروا دائما وفي جميع أعمالكم ما دعاكم إليه القرآن في سبيل الحق، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين، واذكروا قبل ذلك كله قول الله : '' وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم [ وقول الله : ] كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ''.

أيها الأخوة الأحرار :

إني كلما ذكرت ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرت فظائعها في معاملة المسلمين – لا شيء إلا لأنهم مسلمون – كلما ذكرت ذلك احتقرت نفسي واحتقرت المسلمين وخجلت من الله أن يراني ويراهم، مقصرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلما استعرضت الواجبات وجدت أوجبها وألزمها في أعناقنا الجهاد المقدس، فهو الذي يسقط علينا الواجب ويدفع عنا وعن ديننا العار، فسيروا على بركة الله وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الجهاد المقدس فهو السبيل الوحيد إلى إحدى الحسنيين : إما موت وراءه الجنة وإما حياة وراءها العزة والكرامة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد البشير الإبراهيمي

رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين



1- البصائر، العدد 276، السنة السابعة، نقلا عن مذكرات الشيخ محمد خير الدين، ج1، ص : 364 وما بعدها، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. وقد صدر هذا النداء في القاهرة يوم : 15/11/1954 م، أي بعد انلاع الثورة بـ 15 يوما (انظر : سليمان الصيد المحامي : رد شبهات حول موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من ثورة نوفمبر 1954، ص : 44، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 1995 م).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:39 pm

جمعية العلماء وثورة التحرير المباركة



الشيخ عبد الرحمن شيبان


رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين / عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي / وزير سابق


قبل أن أتكلم عن دور الجمعية في ثورة التحرير المظفرة، أقدم نبذة مختصرة عن تاريخ الجمعية :

تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 05 ماي 1931، وهي جمعية وطنية ذات طابع ثقافي، إصلاحي، إسلامي، تربوي، واجتماعي، وهي بذلك عميد الجمعيات الوطنية، إذ تمثل بجدارة الاتجاه العربي الإسلامي ضمن الحركة الوطنية الجزائرية.

إن تأسيسها في التاريخ المذكور جاء ردا حاسما على ما قام به المستعمرون من احتفالات بمناسبة مرور مائة سنة على احتلال الجزائر، والتي أظهر فيها الاستعمار الفرنسي غطرسة واستفزازا لشعور الجزائريين، بما أقامه من استعراضات عسكرية في أكبر المدن الجزائرية، حضرها، بالخصوص، رئيس الجمهورية الفرنسي آنذاك ليؤكد أن الجزائر قد صارت فرنسية وجزءا لا يتجزأ من فرنسا، وأن الإسلام قد تم القضاء عليه، وأن اللغة الفرنسية هي لغة الجزائر.

في هذا الجو نشأت الجمعية بشعارها : الجزائر وطننا، والإسلام ديننا، والعربية لغتنا، وكان أول رئيس للجمعية الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله.

فعبّ جهودها في ميدان التربية والتعليم بإنشاء المدارس الحرة التي تعلم مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية، وقد عمت هذه المدارس جميع أرجاء الوطن رغم ما كان يعترضها من متاعب متمثلة في غلقها بدون سبب وسجن معلميها، وقد ظلت الجمعية تطالب الحكومة الفرنسية برفع يدها عن الإسلام وتتركه حرا بين أيدي أبنائه بتحرير المساجد وأوقاف المسلمين، وذلك على نحو ما عليه الديانة المسيحية واليهودية.

ورغم أن فرنسا كانت تردد باستمرار بأن الجزائر هي أرض فرنسية إلا أن الجمعية كان لها موقف واضح من هذا الزعم الفرنسي تبينه بوضوح مقولة الإمام المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس : » إن الجزائر ليست فرنسا ولا تريد أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت «.

وعندما التحق الإمام ابن باديس بالرفيق الأعلى في 16 أفريل 1940 خلفه على رئاسة الجمعية رفيقه في الكفاح والنضال الإمام محمد البشير الإبراهيمي الذي كان في هذه الفترة منفيا في مدينة آفلو (ولاية البيض حاليا) في إطار حملة قامت بها فرنسا سنة 1939 بالزج بالزعماء والمناضلين، في السجون والمنافي، ولم يطلق سراحهم إلا بنزول الحلفاء بالجزائر في نوفمبر 1942، فأعاد الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي للجمعية نشاطها، واستأنفت رسالتها تربي في المدرسة والمسجد والنادي والصحافة.

وما كادت الحياة السياسية والثقافية والدينية تدب في الجزائر بإنشاء حركة أحباب البيان التي كانت تطالب باستقلال الجزائر وحريتها بعد نزول الحلفاء بالجزائر، في نوفمبر 1942، حتى حدثت مجازر 08 ماي 1945 والتي زُجَّ أثناءها بأعضاء الجمعية ومناضليها في السجون والمنافي مع سائر المناضلين في الحركة الوطنية، وقد صاحب ذلك تشريد للمعلمين وإغلاق للمدارس والنوادي وحَظر أي نشاط ثقافيا كان أو سياسيا أو دينيا مع ما صاحب ذلك من قمع وتقتيل وتشريد شمل جميع نواحي الشرق الجزائري ومناطق أخرى في الغرب الجزائري.

واستمر هذا الوضع المؤلم الفظيع ما يزيد عن سنة ونصف، وما كاد ينجلي هذا الليل الحالك ويسرح الناجون من الموت، حتى استأنفت الجمعية نشاطها بكل همة وحزم، ولم يَفُتَّ في عضدها ما عانته من ويلات إرهاب العدو، ففتحت المدارس من جديد وراحت المساجد تبث الوعي الديني والوطني في قلوب المؤمنين معمقة في نفوسهم حب الوطن، وبغض العدو، وانتعاش الأمل، ونفس الشيء قامت به النوادي التي عاد إليها شبابها يستمعون إلى محاضرات مشايخ الجمعية بما أوتوا من فصاحة وقدرة على التبليغ، وعادت البصائر لسان حال الجمعية للصدور تؤدي رسالة التوعية وتقارع الاستعمار وأذنابه بالمقالات المتميزة بقلم الإمام الشيخ البشير الإبراهيمي ورفاقه الميامين، وكنت من بين كتابها آنذاك.

كما توجت هذه النشاطات بحدث عظيم استبشرت الأمة به خيرا وهو افتتاح معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة 1947 بوصفه فرعا من فروع جامع الزيتونة في تونس، فكان لهذا المعهد أثره العظيم إذ تخرج منه العديد من الأساتذة والمعلمين.

ولكي يتم توثيق الروابط بين الجزائر وأشقائها في المشرق العربي والإسلامي، ولكي يفسح المجال للطلبة الجزائريين المتخرجين من المعهد ومن الزيتونة لمواصلة دراستهم في الجامعات والكليات بمختلف أنواعها، توجه الإمام البشير الإبراهيمي إلى بلدان المشرق العربي والإسلامي حيث لقي ترحيبا وتقديرا منقطع النظير، فأصبح عضوا في مجمع اللغة العربية، وتمكن خلال إقامته هناك من إقناع الجامعات العربية والإسلامية أن تفتح أبوابها للطلبة الجزائريين، وتمكينا لهذه الوضعية، فتحت الجمعية مكتبا لها في القاهرة، للتعريف بالقضية الجزائرية، وجلب المؤيدين والأنصار لها، وقد أشرف على المكتب العالم والمجاهد البارز المرحوم الشيخ الفضيل الورتلاني، الذي ما فتئ يقلق أساطين الاستعمار منذ التحاقه بالقاهرة سنة 1945. إذ ما كاد يحل بها حتى عبّأ الأشقاء في مصر لنصرة كفاح الجزائر، وجعل الجامعة العربية توجه مذكرة استنكار واحتجاج لفرنسا على مجازر 8 ماي 1945.

جمعية العلماء وثورة التحرير المجيدة :

من المعلوم أن جمعية العلماء كانت إلى جانب مهمتها في التربية الدينية والثقافية وتغلغلها في أوساط الشعب، تطالب دائما وبإلحاح من الإدارة الاستعمارية الجاثمة على الدين الإسلامي بتحرير المسـاجد والأوقـاف والقضاء الإسـلامي وترسيم اللغة العربية.

وبما أن هذه المطالب قد واجهت آذانا صماء، لا تريد الاعتراف بالحق لأصحابه، وهو أمر ليس غريبا من عدو جاء ليجرد الشعب الجزائري من جميع مقوماته : من دين ولغة، ليتمكن في النهاية من تدميره، ومحقه ككيان مستقل له هويته، لقد أدى هذا الموقف المعتمد من الحكومة الفرنسية إلى أن أصدر مكتبها بلاغا في 18 جوان 1945 أعلن فيه : » أن الأمة قد يئست من الحكومة ومن المجلس الجزائري المدلس، ومن عدالة الدولة في هذه القضية، وأن المحاولات العديدة التي حاولتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قصد الوصول إلى حل موفق معقول لهذا المشكل لم تأت بنتيجة... والمكتب يعتقد على ضوء الحوادث، وقياسا على كل ما وقع أن هذه القضية الدينية لا تجد لها حلا عادلا إلا ضمن حل كامل للقضية الجزائرية التي هي وحدة لا تتجزأ، وأن الأمة الجزائرية يجب عليها في الساعة الحاضرة وفي مستقبل الأيام أن تتوجه بكليتها لمحاولة حل قضيتها العامة، حلا عادلا يتناسب مع التطور العالمي الحديث «.

وقد سبق للأمام عبد الحميد بن باديس سنة 1936 مخاطيا للشباب الجزائري في نشيده المشهور :

شَعْبُ الجَزَائِري مُسْلِمٌ وَإلَى الْعُروبَةِ يَنْتَسِبْ

إلى أن دعا إلى إعلان الحرب على الظالمين ومحاربتهم في قوله :

وَأذقْ نُفوسَ الظَّالمِيـــنَ السُّمَّ يُمْزَجُ بِالرَّهَبْ

وندد بالخائنين :

وَأقْلَعْ جُذورَ الخائِنيـــنَ فَمنهُمْ كُلَّ العَطَبْ

واستنهض الهمم :

واهزُزْ نُفوسَ الجامدِيــنَ فَربَّمَا حَيّ الخَشَبْ

وقد سلكت هذا السبيل في مقال نشر بالبصائر في العدد 36 السلسلة الثانية سنة 1948 تحت عنوان : » الإسلام شريعة الجهاد والاجتهاد « أكدت فيه (.. أن الجهاد لا يقوم إلا على حرية، وتلك الحرية لا يجلبها إلا الجهاد... إذ أنه في ترك الجهاد تمكين للاضطهاد، والاستعباد، كما أن في إبطـال الاجتهـاد تقتيلا للمواهب يعقبه تعطيل للشريعة نفسها).

ولما اندلعت ثورة التحرير المظفرة، نشر الشيخ الفضيل الورتلاني رئيس مكتب الجمعية بالقاهرة بلاغا في 02 نوفمبر 1954 أعلن فيه تأييد الجمعية للثورة، ودعا فيه الشعب الجزائري لخوض معركة الجهاد التي يفرضها عليه دينه وماضيه وكرامته.

ومن جهة أخرى وجه المرحوم الشيخ الفضيل الورتيلاني :

أولا : نداء إلى الحكومة الفرنسية والشعب الفرنسي منددا فيه بسياسة فرنسا التي تعمى عن الحقائق وتتنكر لمطالب الشعب الجزائري.

ثانيا : نداء إلى أبناء المغرب العربي يدعوهم إلى الاتحاد وتدعيم الصفوف وتأييد الثورة الجزائرية.

ثالثا : نداء إلى الشعوب العربية والإسلامية يدعوهم إلى نجدة إخوانهم الجزائريين وتدعيمهم ماديا ومعنويا ودبلوماسيا.

وفي 15 نوفمبر 1954 وجه كل من الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشيخ الفضيل الورتلاني نداء للشعب الجزائري يذكِّرَانِهِ فيه بمساوئ الاستعمار الفرنسي في الجزائر ويحثانه على خوض معركة الكفاح المسلح دون تردد، ودائما في إطار تعبئة الشعب الجزائري لنصرة ثورته والعمل على دحر عدوه، تم في القاهرة في 17 فبراير 1955، التوقيع على ميثاق جبهة التحرير الوطني من قبل: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والفضيل الورتيلاني, وأحمد مزغنة، ومحمد خيضر، وحسين آيت أحمد ومحمد يزيد والشاذلي المكي، وحسين لحول، وأحمد بن بلة، وأحمد بيوض أعلنوا فيه:

» أن المنظمات والأحزاب في الجزائر تشكل كتلة واحدة وجبهة في معركة التحرير والكفاح المسلح للشعب الجزائري ضد العدو المحتل وذلك بجميع الوسائل «.

وقد انخرط أعضاء الجمعية في الخارج جنبا إلى جنب مع إخوانهم، أما في الداخل فما إن اندلعت الثورة حتى راح طلبة معهد ابن باديس يلتحقون بصفوف الجهاد باذلين الأرواح الزكية من أجل الوطن، بينما أساتذة المعهد ومعلمو المدارس الحرة قد انخرطوا في الخلايا السرية لجبهة التحرير الوطني، وفي صفوف جيش التحرير.

ومن بين الشهداء العلماء نذكر الإمام الشيخ العربي التبسي رئيس الجمعية بالنيابة واليمين العمودي الأمين العام السابق للجمعية ورضا حوحو الكاتب العام لمعهد ابن باديس ومحمد العدوي والشاعرين عبد الكريم العقون والربيع بوشامة والشيخ العربي الشريف وغيرهم كثيرون بذلوا دماء سخية في سبيل حرية الجزائر وكرامتها واستعادة هويتها العربية الإسلامية كاملة غير منقوصة.

وهكذا فإن الجمعية قد أدت مهمتها التي فرضها الله والوطن عليها في الإطار العام للحركة الوطنية الجزائرية قبل الثورة المسلحة وأثناءها، وهي الآن ما زالت قائمة تواصل رسالتها نحو الإسلام الهادي إلى سواء السبيل في كل عصر وفي كل مصر.

والله ولي التوفيق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:40 pm

دور جمعية العلماء المسلمين في ثورة الفاتح نوفمبر
جزء من مقال : التعرف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين



بقلم الأستاذ رابح تركي عمامرة


دور جمعية العلماء المسلمين في ثورة أول نوفمبر 1954 :

معلومات شفوية أخذها الدكتور تركي رابح عمامرة عندما كان كتابه عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحت عنوان (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رائدة التجديد الإسلامي والتربية في الجزائر) من الأستاذ أحمد توفيق المدني الكاتب العام لجمعية العلماء عند قيام ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 ورئيس تحرير جريدة البصائر اللسان المركزي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتاريخ 31/01/1981 في مركز الدراسات التاريخية بالمدينة الجزائر العاصمة.

يقول الأستاذ أحمد توفيق المدني إن جمعية العلماء أعلنت منذ الساعات الأولى أنها من الثورة وتعمل حسب توجيهات الثورة.

لجنة تحرير جريدة البصائر بعد قيام ثورة أول نوفمبر 1954 :

يقول الأستاذ أحمد توفيق المدني أنه إبتداءا من بداية الثورة 1954 اجتمعت لجنة تحرير البصائر المتكونة من السادة :

- الأستاذ حمزة بوكوشة – الشيخ أحمد سحنون – أحمد توفيق المدني – عبد اللطيف سلطاني – باعزيز بن عمر – وذلك بحضور الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي رئيس الجمعية في غياب رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي المقيم في القاهرة وحضور الشيخ محمد خير الدين – واتفق الجميع على أن يتولى الأستاذ أحمد توفيق المدني ما يلي:

1- تحرير الافتتاحية

2- تحرير مقال تغطية أحداث الثورة

3- تحرير موضوع السياسة العالمية

4- تحرير موضوع العلوم والفنون والاختراعات

وهكذا من بداية قيام الثورة حتى توقفت جريدة البصائر عن الصدور بتاريخ أفريل 1956 بأمر من إدارة الاحتلال كانت كل الافتتاحيات ما عدا افتتاحية واحد فقط كانت بعنوان المجلس الجزائري كتبها باعزيز بن عمر والباقي كلها كانت بقلم الأستاذ أحمد توفيق المدني ثم يقول : كانت الافتتاحية بعد كتابتها ترسل إلى المسؤولين عن الثورة في العاصمة للنظر في محتواها ثم بعد ذلك تعاد إلى البصائر ثم ترسل البصائر كلها بها فيها الافتتاحية للرقابة العسكرية الفرنسية وكثيرا ما كانت تقوم مشادات بين توفيق المدني وبين الرقابة العسكرية وفي بعض الأحيان تعطل البصائر عن الصدور.

مقتطفات من بيانات جمعية العلماء عن الثورة نشرت في جريدة البصائر الصادرة في أعوام 1954 – 1955 – 1956 :

1- ربط قضية تحرير الدين الإسلامي بقضية تحرير الوطن (بلاغ من جمعية العلماء) :

المكتب الدائم لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد بحث الموقف الحاضر من ناحية القضية الدينية وبعد استعراض الألاعيب والدسائس التي تحيكها الحكومة والمجلس الجزائري للعبث بهذه القضية واستياء الأمة والاستمرار على العدوان الشنيع يعلن أن الأمة قد يئست من الحكومة ومن المجلس الجزائري المدلس ومن عدالة الدولة في هذه القضية وإن المحاولات العديدة التي حاولتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قصد الوصول إلى حل موفق معقول لهذا المشكل لم تأت بنتيجة وإن الحكومة والمجلس الجزائري المزيف قد أظهر من سوء النية أثناء دراسة هذه القضية ومن الرغبة الجامحة في إبقاء الدين الإسلامي أسير والمساجد مغتصبة الأوقاف مسروقة ما جعل الاستمرار على السعي معها في إيجاد حل عادل ضربا من العبث والاستهانة وهو يعتقد على ضوء الحوادث وقياسا على كل ما وقع أن هذه القضية الدينية لا تجد حلا عادلا إلا ضمن حل كامل للقضية الجزائرية التي وحدة الأمة الجزائرية يجب عليها في الساعة الحاضرة وفي مستقبل الأيام أن تتوجه بكليتها لمحاولة حل قضيتها العامة حلا عادلا يتناسب مع تطور العالم الحديث.

(الجزائر في 08 جوان 1954 المكتب الدائم عن البصائر العدد 276 بتاريخ 25 جوان 1954).



2- بيان من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (موقفها من الثورة) :

... لقد وقفت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الموقف الحازم الشديد اتجاه الأحداث التي جابهتها البلاد الجزائرية منذ يوم غرة نوفمبر 1954 وشاركت بواسطة جريدتها (البصائر) في فضح الأساليب الوحشية الفظيعة التي استعملتها السلطة لمحاولة قمع حركة الثورة بواسطة الإرهاب والبطش وأعمال الزجر والتنكيل ورفعت عقيرتها بالاحتجاج على تلك الموجة الطاغية من الاعتداء على الحريات الفردية وسجن آلاف من أحرار البلاد ورجالها لمجرد الاشتباه بأمرهم أو للحيلولة بينهم وبين المشاركة في الحوادث وهذا أمر لم يسبق إليه في قطر أخر وما صحب كل ذلك من تفنن فظيع في التعذيب واستعمال وسائل سافلة قاسية شديدة لإرغام الأبرياء على الاعتراف بذنوب لم يفكروا قط في ارتكابها. وشاركت الجمعية مشاركة فعالة في تبليغ صوت الأمة لعالمي الشرق والغرب والإعراب عن رغباتها ومطالبها ورفعت للضمير العام العالمي ورفعت للضمير العام العالمي مع بقية الهيئات الحرة ظلامة الأمة وما تعانيه من تنكيل جماعي شنيع شمل الجهات العديدة من أنحاء الوطن حيث شرد الناس وخربت البيوت وانتهكت الحرمات وأتلف المؤن والأرزاق وعومل السكان الآمنون معاملة المحاربين ثم فضحت تلك الأحكام الزاجرة القاسية التي انهالت على رؤوس الذين سيقوا إلى المحاكم في تهم واهية ولم يتمكنوا من حق الدفاع الشرعي عن أنفسهم فازدادت بجموعهم كثافة صفوف الأبرياء الذي ذهبوا ضحية الزجر الاستعماري الفظيع ولقد أعلنت الحكومة في باريس وأعلنت السلطة في الجزائر منذ أيام الحوادث الأولى أن أعمال التأديب لا تصيب إلا الذين ثبتت إدانتهم خاصة لا تتعداهم إلى غيرهم لكن سرعان ما ظهر أن تلك الوعود قد تبخرت على أيدي الذين يسيرون دفة الأمور في البلاد واليوم نرى الحكومة قد أقدمت بعد ثلاثة أشهر بأيامها الحمراء ولياليها السوداء على النظر في برنامج إصلاحيات طفيفة بسيطة لا ترضى الأمة ولا تحقق رغباتها ثم أجابت على عاصفة الاحتجاج التي تصاعدت من كل مكان في العالم على قسوة وفظاعة الأعمال البوليسية فأعلنت ضم نظام الشرطة الجزائرية إلى نظام الشرطة المركزية بباريس وأخير استبدلت بالوالي العام الذي وقعت في أيامه الحوادث ووقعت في أيامه التي أوجبت قيام تلك الحوادث واليا جديدا، تكون مهمته حسب ما قيل تنفيذ الإصلاحات الجديدة، إن قدر لها ورأت النور، ونحن نرى أن نعلن من جديد بعدما أطنبنا في بيان أفكارنا الأساسية على صفحات البصائر وبحكم اتصالنا بالأمة الوثيق الذي يجعلنا نفصح عن رغباتها ونعبر عن أمالها وآلامها ويضيف بيان جمعية العلماء عما وقع من حوادث أول نوفمبر المجيد.

(إن البلاد في حاجة أكيدة إلى تغييرات أصولية أساسية تتناول سائر الأسس التي بني عليها النظام الجزائري لا إلى إصلاحات صورية طفيفة تؤيد الحالة الحاضرة المذكرة وتفرضها على الأمة فرضا جديدا لا تكون عاقبته إلا القلاقل والإضرابات والحوادث المتوالية) وإن برنامج التغيرات الأساسية الأصولية في أمور البلاد لا يمكن أن يرتجل في باريس ارتجالا بل يجب أن يكون نتيجة بحث ودراسة عميقة مع ممثلي الأمة الحقيقيين الذين يتكلمون باسم سائر الأحزاب والهيئات والمنظمات القومية ولا تقبل الأمة بأية حال ولا ترضى عن برنامج إصلاحي إلا إذا حقق رغبتها التحريرية الكبرى في كل ما يتعلق بالحكم والإدارة والشؤون العامة وكل ما يتعلق بدينها ولغتها وترجو الجمعية أن تقدم الحكومة بكل سرعة وإخلاص على تهيئة جو صالح للمفاوضات حول تحقيق الأسس المتقدمة وذلك بإطلاق سراح سائر المسجونين سواء حوكموا أو لم يحاكموا والإقلاع عن سياسة البطش الحربي، وإزهاق الأنفس البريئة، فليست أعمال العنف هي التي تقضي على الثورة الظاهرة والخفية بل لا تقضي على ذلك إلا سياسة الإنجازات الحقيقية التي تنتظرها الأمة بفارغ الصبر (إن جمعية العلماء قامت وتستمر على القيام بسائر واجباتها مهما كانت الملابسات وترجوا أن تكون مساهمة في حمل الحكومة على سلوك السياسة الرشيدة الصالحة كما كانت مساهمة في حمل رسالة الأمة، إلى الدوائر التي تهتم بالقضية الجزائرية كلها، ثم يضيف بيان جمعية العلماء على الأعمال الإجرامية ضد الشعب الجزائري المجاهد فيقول :

" وتتوجه الجمعية أخيرا بكلمة إلى غلاة رجال الاستعمار الذين يحاولون المحاولات اليائسة لإبقاء الحالة الاستعمارية الحاضرة وتقول لهم إن محاولاتهم تعتبر جريمة لا تغتفر، وإن أعمالهم لن تؤدي إلا إلى الخراب والاضطراب، كما تتوجه إلى الأمة بكلمة طيبة تستحثها فيها على التماسك والتكتل والوحدة المطلقة في سبيل الدفاع عن حريتها المنتهكة وحقها المغصوب وكرامتها المهضومة وروحانياتها التي امتهنت حتى تخرج من هذه الأزمة الطويلة المدى لتحقيق أهدافها وبلوغ غايتها الكبرى وأن تصبر الصبر الجميل على ما تعانيه من إرهاق، ومظالم فإن ساعة الفرج قريبة بحول الله.

(المكتب الدائم لجمعية العلماء، عن جريدة البصائر العدد 304/04 فيفري 1955).



3- بلاغ من الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن الحالة الحاضرة في القطر الجزائري وموقف الجمعية منها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد يوم السبت 23 جمادى الأولى من عام 1355 هـ الموافق لـ 07 جانفي 1956 بمركز الجمعية لعاصمة الجزائر، بعد إطلاعه على التقريرين الأدبي والمالي ومصادقته عليهما وبعد اتخاذه للقرارات العامة في دائرة الجمعية بما يصلح به حالها ومالها.

يقرر أنه كجزء عام حي من أجزاء الأمة الجزائرية لا يستطيع السكوت عما هو واقع في القطر الجزائري من فظائع ومجازر وموبقات أصبحت أخبارها منشرة في الخافقين ولا التغافل عن كل ما يتعلق بمستقبل الحياة في القطر الجزائري، فيعلن بكل صراحة أن النظام الاستعماري المفروض بقوة السلاح على القطر الجزائري منذ 1830 هو المسؤول الوحيد عن كل المآسي والمصائب والويلات التي وقعت في القطر الجزائر، وذلك بما أحدثه فيه من ميز عنصري مخجل وما سلكه فيه من سياسة التفقير والتجهيل والحرمان من كل نعم الحياة بالنسبة للعنصر الإسلامي وما حارب به الدين الإسلامي في اقدس مقدساته وما أجهز به على التعليم العربي القرآني في كل جهة من جهاته وما تعمده من محق جنسية الأمة ومحاولة إبتلاعها ومحو كل مظهر من مظاهر سيادتها وما أعلنه مرارا رغم إرادتها من إلحاقها وإدماجها إلى أن أوصل الأمة بكل ذلك على درجة اليأس فعمدت إلى الأعمال التي يوجبها اليأس ويرفع عقيرته بالاحتجاج الصارم العنيف على ما ارتكب في مختلف جهات البلاد من أعمال البطش والإرهاب والتنكيل وما وقع من الفظائع والفضائح والمنكرات بدعوى الزجر ومحاولة إخماد الثورة كما يحتج الاحتجاج الصارخ على تلك المظالم الكثيرة والمتعددة التي وقعت على مدارس جمعية العلماء وما وقع على المعلمين فيها من حيف وجور بين سجن وتغريم وإبعاد إلى المحتشدات ويترحم على الشهداء الأبرار الذين ذهبوا ضحية القمع الأعمى الفظيع ويدعو الأمة للقيام بواجبها نحو أبنائهم وعائلاتهم وكفالتهم كفالة يوجبها الإسلام وتفرضها المروءة والشرف ويبعث بصادق الود وعظيم التقدير والعطف لسائر رجال الأمة الأحرار الأبرار الذين أوصدت عليهم أبواب السجون أو أطبقت عليهم الأسلاك الشائكة في المحتشدات ويشاركهم في تلك المحن التي تقبلوها بثغور باسمة وصدور رحبة ويعلمهم أن الأمة الحية الشاغرة لن تنسى لهم تضحيتهم وأنهم سيكونون إذا في طليعة العاملين على إنشاء الهيكل الوطني العظيم ويعلن مرة أخرى أن كل سياسة مبنية على ترقيع الماضي وإجراء إصلاحات على قاعدة النظام الاستعماري الحالية مهما تغير اسمها إنما هو من قبيل العبث والاستهتار والإمعان في الزج بالأمة الجزائرية في مضيق اليأس الذي لا يحدث إلا الانفجار ويقول كلمة صريحة علنية يرجو أن يسمعها المسؤولون في باريس وأن يسمعها العالم أجمع وهي أنه لا يمكن حل القضية الجزائرية بصفة سلمية وسريعة إلا بالاعتراف العلني الصريح بكيان الأمة الجزائرية الحر وجنسيتها الخـاصة وحكومتها القومية ومجلسها التشريعي المطلق التصرف في دائرة احترام مصالح الجميع والمحافظة على حقوق الجميع ويؤكد أنه لا يمكن وضع حد لحالة الحرب الحاضرة والإقدام على بناء النظام الحر الجديد إلا بواسطة التفاهم الصريح المخلص مع سائر الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري من رجال الحل والعقد الذين أظهرهم الكفاح الجزائري ويوصي الأمة ختاما بالحق ويوصيها بالصبر ويستحثها على العمل الصالح والثبات وتوحيد الصفوف ونسيان الخلافات القديمة حتى تستطيع متحدة متظافرة أن تصل قريبا إلى الدرجة الرفيعة التي أهلها لها جهادها المستمر منذ أحقاب وكفاحها الشريف الذي أصبح في العالم مضرب المثل وتاريخها الحافل بجلائل الأعمال لقوي عزيز" صدق الله العظيم.

الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

البصائر عدد 349 السنة الثامنة الصادرة في 29 جمادى الأولى 1375 هـ الموافق لـ 13 يناير 1956 م. ] وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون[، ] ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز [ صدق الله العظيم.



الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.



الكاتب العام الرئيس

أحمد توفيق المدني العربي التبسي



عن مجلة بونة للبحوث والدراسات ، العدد الثاني - خاص بجمعية العلماء المسلمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:43 pm

قـراءة في مسار الجهـاد السياسي لجمعية العلمـاء المسلمـين الجزائريين

من خلال تجربة رئيسها الإمام ابن باديس في المؤتمر الإسلامي 1936



بقلم الأستاذ الدكتور محمد بن سمينة - جامعة الجزائر


تحاول هذه الكلمة أن تنظر في بعض الصفحات من سجل مسار الجهاد السياسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رائدة الحركة الوطنية الحضارية، وذلك من خلال تجربة الإمام عبد الحميد ابن باديس (1889/1940) مؤسس هذه الحركة ، في المؤتمر الإسلامي المنعقد 1936 في الجزائر العاصمة ، ونلحظ أن إسهامات الإمام في العمل السياسي قد شملت هذا الميدان بجانبيه النظري والعملي ، ويمكن أن يتمركز النقاش لإجلاء ذلك في هذه المحاور :

1- في الحقل النظري :

أولا : المدخل

ثانيا : البعد السياسي في المشروع الباديسي

ثالثا: مفهوم ومنهج

رابعا : اختيار وتعليل

2- في الحقل العملي :

خامسا: معالم من مسار الجهاد السياسي للإمام ابن باديس

سادسا: تجربة الإمام ابن باديس في المؤتمر الإسلامي

سابعا: نضج وتطور

ثامنا : الخاتمة

1- في الحقل النظري :

أولا : المدخل

كانت الجزائر في العصر الحديث من أسبق شقيقاتها في العالم العربي الإسلامي ابتلاء بالاحتلال الأوروبي ، 1830 وذلك على أيدي الغزاة الفرنسيين دعاة (الحرية والمساواة والأخوة) هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم متطوعين من أجل نصرة الحقوق الإنسانية ونشر الحضارة والمدنية بين المستضعفين - كما يزعمون - وذلك عن طريق احتلال بلاد هؤلاء المستضعفين ونهب خيرات أراضيهم والقضاء على مقومات شخصيتهم !

وقد كانت الجزائر من بين هذه البلدان التي أخذت بحظ وافر من هذه (الجهود الإنسانية المشهودة والمحمودة !) على أيدي الغزاة الفرنسيين الذين استهدفوا من خلال هذه الهجمة الصليبية التغريبية القضاء على كيان الشعب الجزائري : أرضا وعمرانا، مقومات وقيما، ثقافة وحضارة . إلا أن الشعب الجزائري لم يرضخ لهذه الهجمة وهذا العدوان ، وإنما قاما يتحداهما بإيمان وشجاعة، وكان ذلك على امتدادا جبهات عديدة :

1- المقاومة المسلحة من ثورة الأمير عبد القادر 1830 إلى كبرى الثورات الجزائرية، ثورة نوفمبر1954.

2- الصراع الفكري من مبادرات الإصلاح الديني على يدي الشيخ صالح بن مهنا (1854/1910) في أواخر القرن التاسع عشر . ومن عاصره وجاء من بعده من شيوخ مطلع القرن العشرين، إلى الحركة الإصلاحية الحضارية للإمام ابن باديس في العشرينات من القرن الماضي .

3- الجهاد السياسي من جهود الأمير خالد (1875 / 1936) في أعقاب الحرب العالمية الأولى، إلى جهاد جبهة التحرير الوطني إبتداءا من نوفمبر 1954 .

ويمكن أن يميز الباحث في هذه المقاومة السياسية تيارات ثلاثة :

1- التيار الوطني الحضاري (الانطلاق من الاستقلال الشخصي كمقدمة للنضال من أجل الاستقلال السياسي) الحركة الإصلاحية الحضارية في العشرينات من القرن الماضي واستمرارية نشاطها في مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ابتداء من عام 1931.

2- التيار الوطني السياسي (الاعتماد على النضال السياسي من أجل الاستقلال الوطني) حزب النجم 1926 ثم حزب الشعب الجزائري 1937 ثم حركة انتصار الحريات الديموقراطية في الأربعينات .

3- التيار الوطني الاندماجي ( المطالبة بالمساواة ) جماعة النخبة ما بين الحربين.

وكان ابن باديس وهو يقود الحركة الوطنية الحضارية يزاوج في مشروعه النهضوي بين الدين والعلم، بين التربية والأخلاق، بين الاجتماع والسياسة، وكان البعد السياسي بذلك معلما بارزا في هذا المشروع، وذلك على أكثر من صعيد، وفي غير ما جبهة من جبهات الصراع الدائر بين أهل الحق الذائدين عن حقهم، وبين أهل الباطل المعتدين على غيرهم، فماذا عن ذلك ؟

ثانيا : البعد السياسي في المشروع الباديسي

يحسن قبل الاسترسال في معالجة هذا الجانب من نشاطات الإمام ابن باديس أن نتساءل عن الصلة بين ما نهض به من جهاد على امتداد وجوه الحياة العامة ، وبين العمل السياسي ؟ فهل يمكن اعتبار الإمام بذلك أحد رجال السياسة ؟ وكيف كانت استراتيجيته في معالجة قضاياها ؟

يمكن القول أن السياسة كانت حاضرة في مشروع ابن باديس منذ دخوله معترك الحياة الاجتماعية في مطلع شبابه في بداية العشرينات، بيد أنه لم يكن متفرغا لها بكليته ولم يركز عليها كامل جهده ولم تكن هاجسه الأول، لا لأنه لم يكن بجبلته رجل سياسة خبيرا بدروبها ودهاليزها وإنما كان أحد العلماء، وهؤلاء كما يرى أحد الدارسين(1) أبعد الناس عن السياسة، ولا لأنه كان لا يقدر خطرها في حياة الناس، لم يكن هذا ولا ذاك أحد الدوافع التي دفعته إلى اتخاذ هذا الموقف، وإنما سلك ذلك المسلك عن تبصرة وحكمة حفاظا على حركته وإدراكا منه - فيما أحسب- لأنجع السبل التي تمكنه من الوصول إلى ما يرمي إليه من مقاصد.

فقد كان سليل بيت ملك و سلطان ، ففي القديم كان أجداده ملوكا وساسة لعل من أشهرهم (المعز بن باديس) مؤسس الدولة الصنهاجية (ت : 373/ 984) ، وفي العصر الحديث كان أبوه عضوا في المجالس النيابية المختلفة(2)، كما كـان عمه (أحميدة بن باديس) كذلك(3)، ويستبعد أن يتربى رجل في هذا المحيط ويكون حظ أصوله من السياسة ما رأينا ولا يسري في عروقه شيء من الميراث السياسي قل أو كثر، كما كان من نحو آخر يملك بعض خصال الإنسان الزعيم في قومه بما توفرت لشخصيته من قيم الإخلاص والحكمة والشجاعة والحزم، فإن التاريخ يؤكد أن الاستدمار بالرغم من مختلف ما سلط على حركته من أساليب الإرهاب وصنوف الاضطهاد، فإنه لم يستطع أن يلين قناته أو يثنيه عن مواصلة سيره فيما عزم على النهوض به، وقد زادت الفكرة الإسلامية هذا الميراث السياسي حكمة و رجاحة، كما زادته نضجا وترشيدا أحداث الصراع الدائر بين أمته و بين المحتلين، و وجوده في موقع الصدارة منه يذود عن الأمة قيما و مقومات وحقوقا ولكنه لم يكن يولي العمل السياسي بمفهومه الحزبي الضيق عناية كبيرة(4) لاعتقاده أن ما تعانيه الأمة من علل وأدواء لا تقوى السياسة وحدها على معالجته، ولم تكن بعبارة أدق من الوصفات الدقيقة له، وأن المنهج الذي ينهض بالأمة روحيا وعقليا وسلوكيا أجدى عليها من غيره وأن حاجتها إلى ذلك لمـداواة جراحاتها اكثر من حاجـاتها إلى سواه، وإن أية خطوة يخطوها الكاتب في عملية إعادة بنائها يحسن أن يسبقها التركيز على تصحيح الاعتقاد وتحرير العقل وتنوير الفكر وتقويم السلوك، كما كان الإمام قد وعى تجربة الأمير خالد وتأثر بما انتهت إليه فرغب لذلك بعدم التظاهر بالاشتغال بالسياسة وذهب ـ تقية ـ إلى حد إعلانه عن اجتناب حركته الدينية التهذيبية عن العمل بالسياسة(5) وهو بإلحاحه على هذا الجانب لا يعني أن الإسلام ليس من اهتماماته ذلك، أو أن السياسة ليست من الشريعة الإسلامية في شيء ،كما ذهب إلى ذلك أو إلى شيء منه الشيخ (علي عبد الرزاق) في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وإنما كان قد فعل ذلك حتى يعمل على إبعاد السلطة عن شؤون الإسلام فيضمن بذلك المحافظة على أبرز عنصر من عناصر الشخصية الجزائرية من نحو ، كما يعكس من نحو آخر حرصه على حماية حركته و هي في بداية عهدها، مما قد تتعرض إليه من جراء ذلك من مخاطر.

وما كان ذلك في النهاية إلا أسلوبا بارعا في التعامل مع المحتلين من زعيم مجرب حكيم(6)، ولذلك كان يشير إلى أنه لا يريد أن يدخل المجال السياسي، باسم الجمعية كما كان يعمد إلى توقيع بعض الأعمال التي يظهر فيها شيء من المواجهة والشدة باسمه الخاص حفاظا على الحركة(7) .

وقد أدت به هذه العوامل للاعتقاد بأن المبادرة بالعمل السياسي قبل أن ينضج عود الحركة وتنجح في تبليغ دعوتها إلى ضمير الشعب فيستيقظ من سباته ويشرع في تحسين واقعه ويلمس طريفه نحو العلم والعمل والتحرر من الجمود والتقليد ، إن المبادرة بالسياسة دون تحقيق هذه الخطوات قد يبوء بالحركة إلى الإجهاض ، ذلك لأن العمل السياسي والأمة تغط في سبات عميق ، و تسبح في بحر لجي من الأوهام والبدع لا يؤتي ثماره، ولا تؤمن عواقبه إذا لم يسبقه ويواكبه جهد بارز في حقل العمل الدعوي الفكري وإن هذه القراءة الداعية للواقع الوطني والملابسات التي تكتنف جوانب الصراع فيه وتتحكم في سير الأحداث به يومئذ، إن هذه القراءة جعلت ابن باديس لا يتفرغ للسياسة بكليته ولم يعتزلها نهائيا في نشاطاته ومواقفه المختلفة وإنما كان يزاوج بينها وبين منهجه الإصلاحي مراعيا في ذلك الظروف والملابسات والأحوال .

وماذا بعد عن مفهوم ابن باديس للسياسة ؟ فهل كان يفهمها بمنطق الماديين النفعيين أن الغاية تبرر الوسيلة ؟ أم كان يفهمها على نحو مغاير ؟ وهل كانت عنده كما هي عند بعض السياسيين المحترفين، ركضا وراء المصالح الخاصة ومصدرا ثرا للارتزاق أم كان يفهمها سعيا وجهادا لخدمة المصلحة العليا للأمة، في نطاق ما تسمح به الأخلاق الإسلامية و المبادئ الإنسانية ؟

ثالثا : مفهوم ومنهج

لقد كان يفهم السياسة كما تنص عليها مصادر الشريعة الإسلامية مستمدة من القاعدة الأصولية: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [(Cool و في الحديث الشريف قوله (صلى الله عليه وسلم) : ) من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ( رواه أحمد و مسلم(9) ويقال في اللغة : ) سست الرعية سياسة : أمرتها ونهيتها ((10).

ويرى ابن خلدون أن "السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة لما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبناؤه "(11).

إن ابن باديس يستمد مفهومه للسياسة من هذه الأصول، فهو لا يفهمها في حدود تلك الأطر الحزبية الضيقة التي يقتصر فيها أصحابها على القشور دون اللباب، ويتهالكون من دونها على الكراسي والألقاب، وإنما ينظر إليها من معناها الحقيقي بصفتها خدمة الأمة بصدق وإخلاص في جميع مناحي حياتها، وتدبير شؤونها الدينية والدنيوية : إحياءا لمقوماتها، وتمسكا بقيمها، وذودا عن حقوقها ونشرا للعلم والفضائل بين أبنائها، وحثا إياهم على الإقبال على الحياة و الأخذ بأسباب العزة و التقدم فيها .

وهذا ما يلمع إليه أو إلى بعضه الكاتب في معرض حديثه عن مبدأ حركته في العمل السياسي "مبدؤنا في الإصلاح السياسي هو المحافظة التامة على جميع مقوماتنا ومميزاتنا كأمة لها مقوماتها ومميزاتها والمطالبة بجميع حقوقها السياسية والاجتماعية لجميع طبقاتنا دون الرضى بأي تنقيص أو أي تمييز "(12).

وإن هذا الذي يقرره ابن باديس عن مفهومه للعمل السياسي يؤكده الإبراهيمي بأوضح بيان فالسياسة عنده "إحياء المقومات التي ماتت أو ضعفت أو تراخت من دين أو لغة وجنس وأخلاق وتاريخ وتقاليد وتصحيح قواعدها في النفوس، ثم المطالبة بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان، ثم الإصرار على المطالبة في قوة وشدة ،ثم التصلب في الإصرار في استماتة وتضحية "(13).

ويمكن أن يتبين المرء من خلال هذه المواقف الثابتة أن جوهر السياسة عند المصلحين واحد في جميع المراحل التاريخية ، وإنما الذي كان يتغير بين زمن وآخر، إنما هو العرض أي اللبوس الذي كانت تلبسه هذه السياسة في فترة – تبعا للظروف والمستجدات – ولا تلبسه في أخرى.
فهذه إلماعة عن مفهوم الإمام للسياسة ، فماذا بعد عن منهجه الذي سلكه في عمله السياسي ليصل به إلى ما رسم من مرام وغايات ؟

كانت الجزائر في الفترة التي عاصرها ابن باديس وتفاعل مع أحداثها ، تعيش في ظروف قاسية استمرارا لما كانت عليها منذ ابتلائها بنكبة الاحتلال الفرنسي : حقد حكام وجور إدارة وتعسف سلطة وتواطؤ الجميع على النيل من الشعب الجزائري : سيادة وشخصية وحضارة فانفعل ابن باديس وهو يضع خطواته الأولى على عتبة الجهاد الأكبر بهذه الحال ، فوطن نفسه على القيام بعمل يكون من شأنه التصدي لإحباط هذه الهجمة الصليبية الشرسة، والعمل على إفشال ما تستهدفه من مكائد ضد الدين والوطن والأمة . ولاشك أن يكون ابن باديس وهو يقلب النظر في جوانب هذه الوضعية، بحثا عن أسلم السبل لعلاجها، قد تواردت على ذهنه بعض الأسئلة حول الأسباب التي أدت بالأمة إلى هذه النهاية المخزية : فهل كانت هذه الإنتكاسة من آثار نكبة الاحتلال الأجنبي أم كانت نتيجة عوامل أخرى، سبقت ظاهرة الاحتلال ومهدت لها ، ولم تكن هذه الظاهرة - وإن زادت الأحوال ضغثا على إبالة - إلا مسببة عنها، وليست سببا فيها ؟ يمكن القول أن ما انتهت إليه الأمة من ذل واستخذاء وتخلف ، إنما نجم عما أصابها في قواها الفاعلة : روحها وعقلها و نفسها من اعتلال واختلال في إطار التدهور العام الذي أصاب الحضارة العربية الإسلامية في عصر الضعف، وإذا كان الأمر كذلك ، فما هي أنجع السبل لإخراج الأمة من هذه الوضعية ؟

وأي الدروب يجب أن يسلك من رام إبراءها من هذه العلل ؟ وهل باب الجهاد الدعوي الفكري ينتهج أم عباب السياسة يبحر، أم أنه يزاوج بين هذا وذاك مبتدئا بالأهم فالمهم مراعيا في ترتيب أولويات العمل ، ملابسات الواقع ومجريات الأحداث من حوله ، فيرمي بذلك رميته في عمل جامع شامل يكون من شأنه إبراء الأمة من أدوائها ؟

وإن الذي يستقرئ حيثيات الموضوع و ينعم النظر في معطيات الواقع يتبين أن أنجع المناهج في إنقاذ الأمة مما تلقى من عنت وإرهاق وإخراجها مما تتخبط فيه من احتلال واستغلال ، إنما هو ذلك المنهج الذي يتمثل في البناء الحضاري الذي لا يقتصر العمل فيه على نشاط أحادي ينحصر في معالجة بعض الأدواء دون بعضها الآخر وإنما يقوم على ضبط أسس العمل في منهجية محكمة تهدف إلى النهوض الشامل ببنية الأمة في جميع مقوماتها ومظاهر حياتها، فكانت بذلك الخطة الدينية التي تقوم على البناء الروحي والعقلي والنفسي من أبرز ما أقام عليه ابن باديس مشروعه في عملية النهضة ، وكان هذا التوجه صادرا عن قناعة وروية، فماذا عن ذلك ؟

رابعا : اختيار وتعليل

ويمكن للباحث أن يعلل لهذا الاختيار بما يقوم عليه الدين الإسلامي من وضوح اعتقاد وكرم أخلاق وسماحة شريعة، مما يجعله معين السياسة الرشيدة الذي لا ينضب ومنهلها العذب الذي لا يغور، وهو بذلك أجدى وأنجع من غيره في معالجة مشكلات الإنسان فردا وجماعة، والسير به نحو أعلى المراتب وأكملها بمنهج لا يدنو إلى مرقاه سواه، وبهذا كان المسلم غنيا بتعاليم دينه عن سائر المناهج الوضعية في تسيير جميع وجوه الحياة ولا تعوزه الحاجة إلى أي منها في أي شيء من ذلك ، ويمكن أن يستنتج من هذا أن العمل السياسي في المنظور الإسلامي إذا لم يستنر صاحبه فيما يخطط وفيما يعمل بالعامل الديني ضل في سيره وخاب في مسعاه، ولذلك فقد اختار الشيخ ما اختاره عن وعي وتبصر ولو كان يرى أن المنهج السياسي يفيده في مشروعه أكثر من غيره لكان قد استهل به جهاده، وما كـان يثنيه عن ذلك خوف أو يقعده عنه ضعف ولكنه ترك العمل السياسي في صورته الحزبية الضيقة لأصحابه معتقدا بعدم جدواه و بخطورته بآن على حركته وهي في بدايتها و ليمهد من نحو آخر الطريق أمام جماعته نحو المستقبل من خلال تعبيد الأرضية الروحية و الفكرية والنفسية لأفراد الأمة حتى يتسنى للشعب من أن يغرس في حقولها بذور نضاله السياسي وأسس ثورته الجهادية، ويمضي يتعهد ذلك بما يرعاه و ينميه إلى أن يخرج الزرع شطأه ويستوي على سوقه ويحين آوان حصاده ثمرا جنيا، عزة و أصالة، حرية و استقلالا(14).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:43 pm


وللسائل أن يسأل : لماذا لم يتحرك ابن باديس في عملية النهضة على أكثر من صعيد ويجمع فيها بين أكثر من أسلوب ؟

يمكن القول أن فكرة المزاوجة بين أكثر من منهج كانت من أبرز ما يميز خصائص العمل الباديسي في النظر إلى الأمور والتعامل مع الأحداث والمواقف. فقد رأينا أنه زاوج في بناء أسس مشروعه بين الروح والمادة ،بين العقل والقلب بين التربية والعلم، بين الدين والسياسة. ومن هذا المنطلق جمع الكاتب في نشاطاته ما بين الخطة الدينية والخطة السياسية في مرحلة مبكرة من حياته ، وذلك من خلال جمعه في آن، بين عكوفه على مشروعه الدعوي، وبين متابعاته وتعليقاته على خطب الحكام وتصريحاتهم وكاد الإمام أن يعلن عن اشتغاله وصحبه بالسياسة في معرض تعليقه عن اتهامات المحتلين لهم بذلك "ثم ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة ؟ فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى "(15).

ولم يثبت عن الكاتب - على أية حال - أنه نفى عن حركته الاشتغال بالسياسة كأسلوب للتوجيه والتعبئة وضبط المصالح، وإنما كان يحاول أن يبعد عنها ذلك - بوصفها حركة دعوية تهذيبية - تهمة الاحتراف بالسياسة بمفهومها الحزبي المحدود "والجمعية لا تنتمي لحزب ولا تعادي حزبا إلا من حارب الإسلام والعروبة(...) والجمعية ما تدخلت في سياسة الكراسي والنيابات و المكاتب والممرات... وإنما وقفت الجمعية في مؤتمر الأمة تضع مطالب الدين واللغة وشروط المحافظة على الجنسية والشخصية ومثلت ذلك كله بلسانها وهيئتها أصدق تمثيل "(16).

وبماذا يمكن أن يوصف به عمل من يبعث في الأمة روح النهضة ويسهر على توعيتها بواقعها ويحثها على النهوض به ويرسم الطريق أمامها لبلوغ غاياتها في الحياة الحرة الكريمة ؟ وفي أي إطار يمكن أن يدرج عمله هذا ؟ أو ليس ذلك هو عينه جوهر العمل السياسي الرشيد الذي يهز مضاجع المحتليين ويهدد وجودهم وينذرهم بقرب رحيلهم ؟ وإذا لم يكن ذلك العمل كذلك ، فلم يفزع المحتلون من الحركة الباديسية ويسارعون إلى البطش برجالاتها وملاحقتهم وتضييق الخناق عليهم وتغريمهم وسجنهم ! (17)

ونخلص بعد هذا الذي تقدم عن التوجه النظري للإمام ابن باديس في الميدان السياسي إلى التساؤل عن جهوده العملية في هذا الحقل ؟

2- في الميدان العملي :

خامسا : معالم من المسار السياسي العملي للإمام ابن باديس

يمكن القول أن من أبرز من خطا الخطوات الأولى من الزعماء الوطنيين الأحرار على درب الجهاد السياسي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، إنما هو الأمير خالد (1875/1936) الذي ظهر على رأس الواجهة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بعد صدور إصلاحات (4 فيفري 1919)(18) التي تظاهر أصحابها نظريا ببعض الإصلاحات. ويمكن اعتبار جهاد الأمير خالد بهذه الانطلاقة النواة الأولى للحركة الوطنية الحديثة في الجزائر(19) وكان المحتل كعادته يخشى من المواقف الحازمة والأعمال الجادة، فرأى في حركة الأمير خالد ما يهدد وجوده، فسارع إلى وأدها في المهد، ونفي صاحبها خارج الوطن فمات- رحمه الله - في منفاه ببلاد الشام الشقيقة 1936.

وقد تراجع المحتل بعد ذلك عن إصلاحات 1919 وأعاد أحكام (الأنديجينا) وإجراءات التضييق على الشعب الجزائري ، كما كانت عليه أو أشد(19)، وإذا كان المحتل قد وضع حدا لهذه التجربة الوطنية الرائدة في هذه الفترة ، فإن جهاد الشعب الجزائري لم يتوقف بتوقفها، وإنما تواصل في أشكال عديدة .

وكان ابن باديس من بين أبرز من أخذ مكانه من الزعماء الوطنيين في هذا التواصل على نهج الأمير خالد متصديا للمخطط التغريبي، منافحا عن الحقوق الوطنية، آخذا بأيدي الشعب إلى أسلم المناهج، وأنجح السبل للمطالبة بها، والذود عنها، تامة كاملة.

فمتى كان منطلق الشيخ في جهاده السياسي ؟ و من أين بدأه ؟ وما هي أهم المرامي التي كان يستهدفها من ذلك ؟

لقد استهل ابن باديس جهاده السياسي على نهج الأمير خالد في أواسط العشرينات من القرن الماضي، وتمركز نضاله في هذه المرحلة على توعية أفراد الأمة بواقعهم وحثهم على النهوض به، والأخذ بأيديهم على طريق المنافحة عن شخصيتهم، والذود عن حقوقهم، والتصدي لإجراءات سلطة الاحتلال الظاهرة منها والخفية، اليمينية منها واليسارية، وقد كانت هذه السلطة بجميع ألوانها تتنكر لحقوق الشعب الجزائري وتقف حائلا بينه وبين بلوغه أهدافه في الحياة الحرة الكريمة.

وقد تزامنت انطلاقة ابن باديس في هذا الميدان مع استلام الجبهة الشعبية – ممثلة في الأحزاب اليسارية - الحكم في فرنسا، ومجيء موريس فيوليت حاكما عاما على الجزائر 1925(20). وكانت هذه الجبهة قد تظاهرت بإجراء بعض الإصلاحات في الجزائر، كان من بينها التلويح بمشروع فيوليت ، فماذا عن ذلك ؟ وماذا عن موقف ابن باديس من الجبهة الشعبية ومشروع فيوليت ؟

لقد ظلت السياسة الفرنسية في الجزائر تسير منذ الاحتلال تحت حكم اليمين في اتجاه اضطهاد الشعب الجزائري وحرمانه من جميع حقوقه، ولما استلمت (الجبهة الشعبية) الحكم في فرنسا وهي تتألف من أحزاب اليسار هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بأنهم دعاة عدالة ومساواة وحرية وأنصار سلام وديموقراطية وإنسانية، توقع بعض الجزائريين أن السياسة الفرنسية سوف تعرف على أيدي هؤلاء بعض التغيير مما قد يخفف على الشعب بعض ما يعانيه من صنوف الحيف والإجحاف تحت حكام اليمين(21).

وكان ابن باديس من بين من رأى أن من الحكمة وسداد النظر التريث في إصدار الحكم على هؤلاء حتى تتكشف حقيقة برنامجهم من خلال ما يقدمون على القيام به من خطوات في الميدان السياسي(22). وقد كانت الساحة السياسية في الجزائر في هذه الأثناء مع بداية الثلاثينات قد شهدت عدة تحركات قامت بها عدة أطراف سياسية .

فكان من بين ما بادر به اليسار الفرنسي بزعامة الجبهة الشعبية تعيين السيد (موريس فيولييت) واليا عاما على الجزائر سنة 1925 فأبدى هذا الحاكم استعدادا ملحوظا للنظر في المسألة الأهلية خدمة لصالح بلاده ، فكان نموذجا مميزا عمن سبقه على رأس الولاية العامة من الحكام الفرنسيين فقد كان معظم هؤلاء غلاظا شدادا متحاملين، حريصين على أن يخدموا مصالحهم الشخصية على حساب هضم حقوق المستضعفين، والضغط عليهم وامتصاص دمائهم فجاء (فيوليت) و رأى ـ و هو رجل فرنسي قبل كل شيء ـ(23)، أن من مصلحة فرنسا أن يقرب إليها الجزائريين وهو » لا يحب ما يعرقلهم عن الاندماج التدريجي «(24) فأراد أن يخدم بلاده بما يحقق لها هذه الغاية ، فنهج في سياسته نهجا مميزا خالف فيه من سبقه من الحكام بما أبدى فيه من بعض المرونة في معالجة المسألة الأهلية » فكان من سداد الرأي أن يقابل الجزائريون هذا التوجه من هذا الوالي بشيء من المسالمة والترقب إلى أن يصدر من هذا الحاكم ما يستلزم إعادة النظر في سياسته(25)، فحاول هذا الحاكم أن يصوغ برنامجه السياسي في مشروع عرف باسمه (مشروع فيولييت) شرح فيه للرأي العام الخطوط العريضة لسياسته الاجتماعية والاقتصادية التي ينوي الوصول إليها في الجزائر. فما هي أبعاد هذا المشروع ؟ وما صداه في نفوس الجزائريين والمستوطنين الفرنسيين ؟ وما موقف ابن باديس منه ؟

إن أهم مـا ينص عليه هـذا المشروع هو منح الجزائريين حق التمثيل والانتخـاب وإصلاح التعليم وإلغاء المحاكم الخاصة(26) وكـان المستوطنون أصحاب السلطة الفاعلة قد عارضوه معارضة » بذية ظالمة منكرة «(27)، لأنهم يرفضون منح الأهالي أبسط حقوقهم (كالتمثيل والانتخاب) ويترفعون عن الاجتمـاع بهم في جلسة عـادية، بله أن تجمع بينهم في جلسة رسمية، طـاولة واحدة هي طـاولة البرلمـان الفـرنسي. أمـا أعضـاء النخبة من النواب فقد تلقوا المشروع بالقبول لأنه يلوح بما ينادي به بعضهم من مساواة وبما يروج له بعضهم الآخر من اندماج، وعلى كل فقد انقسموا إلى قسمين :

أما الأمة فقد قابلته أول الأمر بالرفض و المقاومة، لما فيه من عدم التسوية في الحقوق بين الجزائريين و الفرنسيين ، ولما "فيه من تهيئة الطبقة المثقفة للاندماج مع السكوت التام عن الدين واللغة "(28) ثم عدل المشروع "فصرح فيه بلزوم المحافظة على الشخصية الإسلامية«(29)، والتلويح بدفع بعض الغبن عن الشعب الجزائري والمساواة بينه و بين غيره في الحقوق. فقبلته حينئذ الأغلبية في الأمة "بالشرط المذكور، وباعتباره أقل المطالب "(29) وذلك "" كخطوة أولى فقط يجب بعد تنفيذها أن يقع الإسراع في بقية الخطوات إلى تحقيق التساوي التام العام "(30)، أما الأقلية فقد أبت قبوله تماما لأنها تخشى بعض الألاعيب التي لا تدري متى تكون "ونحن نحترم رأي هذه الأقلية و نؤمل بقاءها على رأيها "(31).

وقد قبلت الأمة هذا المشروع للاستناد عليه في كفاحها من أجل المطالبة بالحقوق الوطنية التامة والمحافظة على الشخصية وحمايتها مما يهددها من مكائد التجنيس والاندماج وما "حاز القبول الذي حازه إلا لما فيه من التصريح بالمحافظة على الحالة الشخصية، مع أن ما فيه، إنما هو نزر قليل جدا من الحقوق المطلوبة "(32) وذلك لأنه لا يحقق إلا مطلبا واحدا (حق الانتخاب) من المطالب التي ستتقدم بها الأمة مستقبلا إلى المؤتمر الإسلامي سنة 1936 .

ويزعم بعض الدارسين أن ابن باديس كان موزع الرأي متعدد المواقف من سياسة الجبهة الشعبية ومن هذا المشروع بوجه خاص(33). بيد أن الواقع يفند هذه المزاعم، ويؤكد أن موقف ابن باديس من الجبهة الشعبية ومشروع (فيوليت) كان ثابتا، وإن تلون ببعض ما تمليه بعض الظروف منذ الوهلة الأولى وفي جميع المراحل ، ولم يتأثر فيه كعهده في جميع مواقفه لا باليمين ولا باليسار، وإنما الذي حركه وكان يحركه دائما إنما هو غاية واحدة هي المصلحة العليا للأمة الجزائرية، غيرة على شخصيتها، و ذودا على حقوقها وجهادا من أجل ترقيتها ، فهذه المصلحة هي التي تملي عليه أن يقف هذا الموقف أو ذاك وهي التي تدفعه ليقبل ما يقبل ويرفض ما يرفض، ولذلك فقد قابل هذا المشروع أول الأمر بالرفض ، لما فيه من عدم التسوية في الحقوق والسكوت عن الشخصية والتمهيد لما يهددها من أخطار التغريب والاندماج، ثم عدل المشروع وصرح فيه بالشخصية(34) فقبله حينئذ كمحاولة أولى لفك الحصار المضروب على الجزائر من طرف غلاة الاستعمار للحيلولة بينها وبين إيصال صوتها ـ مطالبة بحقوقها ـ إلى السلطات العليا بباريس والتأكيد على تمسكها بشخصيتها والوقوف في وجه تلك المحاولات الرامية إلى النيل منها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:44 pm

و يتقدم المشروع سنة 1935(35) أمام مداولات البرلمان الفرنسي وقد أصبح يسمى (مشروع بلوم ـ فيوليت)(36) ويقابل بالرفض ولعل مرد ذلك إلى الأسباب التالية :

1- المستوطنون الفرنسيون يعارضون المشروع معارضة شديدة ويرفضون منح الأهالي أبسط حقوقهم في التمثيل و الانتخاب .

2- البرلمان الفرنسي يرفض الموافقة على منح الجزائريين بعض حقوقهم مع محافظتهم على شخصيتهم(37).

3- الجزائريون يصرون على المحافظة على شخصيتهم ولا يبغون بها بديلا .

وتصادمت هذه النزعات وتلاقت جميعها على إسقاط المشروع و دفنه و إبعاده عن الساحة السياسية الوطنية نهائيا، ويبدأ الجزائريون من بعد ذلك أولى خطواتهم في مسيرتهم النضالية على طريق جديد.

وخرج الإمام من تجربته مع السلطة يمينا ويسارا، من أنه لا هذه و لا تلك، مستعدة أن تتراجع عن غيها وترفع مظالمها عن الشعب وتمنحه حقوقه، وذلك لأن الاستدمار ملة واحدة وأن لا سبيل ينقذ الأمة من آثاره ويحقق لها رغباتها في التحرر والانعتاق، إلا اعتمادها على الله ، ثم تقبل على نفسها فتغير ما بها، فترمي بأساليب عملها البالية، وتدخل مرحلة جديدة من جهادها .

ومن هذه القناعة دعا ابن باديس إلى انعقاد المؤتمر الإسلامي سنة 1936، وخاض تجربته متصديا لما يحاك ضد الأمة من دسائس، منافحا عن الشخصية، مدافعا عن الحقوق فماذا عن هذا المؤتمر ؟ وماذا عن موقف جمعية العلماء منه ؟ وكيف تتبدى صورة ذلك من خلال آثار الإمام ؟

سادسا : تجربة الإمام ابن باديس في المؤتمر الإسلامي 1936 :

لقد انبثقت، فكرة المؤتمر الإسلامي سنة 1936 من مبدأ المحافظة على الذاتية والذود عن الحقوق الوطنية بغرض الوقوف في وجه مختلف المناورات التي ما فتئ أوارها يشتعل طوال فترة الاحتلال، مستهدفة النيل من مقومات الشخصية والحقوق الوطنية، فما هي الظروف والملابسات السياسية التي كانت تخيم على الساحة الوطنية في هذه المرحلة ؟ ومن كان وراء هذه الدعوة إلى المؤتمر ؟ وما هي أبرز العوامل التي دفعت إليه ؟ ومن هم المشاركون فيه ؟ وما هي المطالب والنتائج التي أسفرت عنها أشغاله ؟

1ـ الملابسات والدوافع : كانت الساحة السياسية في الجزائر مع بداية الثلاثينات قد عرفت بعض المستجدات وشهدت تحرك عدة أطراف لأغراض مختلفة ، فكانت السلطة الحاكمة بقيادة الجبهة الشعبية التي استلمت الحكم في فرنسا في هذه الأثناء تلوح ببعض الإصلاحات، وكان المستوطنون الذين أبدوا معارضة شديدة لهذه الإصلاحات يرفضون مجرد التفكير في منح الشعب الجزائري أبسط الحقوق على أيديهم ، أمـا أعضاء النخبة الجزائرية فكانوا في هذه الأثناء يتحركون في اتجاه المطالبة بالمساواة في بعض الحقوق (التمثيل والانتخاب) منخدعين بما يلوح في الأفق السياسي من مظاهر كاذبة تختفي من ورائها أفكار التغريب والتفرنس .

أما أعضاء حزب النجم فقد تحفظوا على سياسة الجبهة الشعبية و أبدوا مخاوفهم من نتائجها على مستقبل الوطن(38). أما أعضاء جمعية العلماء الجزائريين فقد رأوا أن يقفوا موقفا وسطا من هذا الموضوع، فلم يجاروا السلطة في مزاعمها ولم يرفضوا التعامل معها في الوقت ذاته، و رأوا أن في كلا الموقفين خطرا على المصلحة الوطنية ، ذلك أن المجاراة غير الحكيمة قد تمنح هذه السلطة بعض المصداقية التي ظلت تفتقر إليها طوال فترة الاحتلال، كما أن التزام الغياب عن الساحة السياسية في هذا الوقت يترك المجال فارغا أمام المحتلين فيصلون إلى أهدافهم من خلال ما يبثونه ضد الوطن حقوقا و مقومات. وهذا ما يفسر القرار الحكيم الذي اتخذه ابن باديس بدعوته إلى انعقاد المؤتمر(39) لجمع كلمة الأمة وتوحيد صفوفها حول المسألة الوطنية، والتصدي لما يخطط له المحتلون، ويقوم به بعض الجزائريين تنفيذا لمخططات السلطة من ترويج لسياسة التغريب ، ونشر أفكار الاندماج، والتساهل في شأن الذاتية، وقد التقى على طاولة هذا المؤتمر : أعضاء النخبة، و العلماء، والشيوعيون، وقاطعه حزب النجم .

وقد حرص العلماء على أن تكون قاعدة العمل والنقاش في جلساته متركزة على مبدأ لزوم المحافظة على الشخصية وقد اعترف بعض النواب في البرلمان الفرنسي بأن هذا الشرط من اقتراح العلماء بل ذهب بعضهم إلى أبعد فجعل ذلك من تعصب ابن باديس(40) مما يوضح أن مشاركة الحركة الباديسية في هذا المؤتمر، إنما كان غير مرغوب فيها من طرف المحتلين، وذلك لإدراكهم أن ذلك، إنما كان من أجل حماية الذاتية والتصدي لما يحاك ضدها من مكائد (41)

لقد ظلت السلطة منذ الأيام الأولى للاحتلال تحاول رغبا ورهبا النيل من مقومات الهوية الوطنية و ظهر مع الأيام تيار يتألف معظم أصحابه من خريجي المدرسة الفرنسية هؤلاء الذين ضعف في نفوسهم الشعور بعز الانتماء إلى الملة الإسلامية والأرومة العربية(42) فتبنى بعضهم سياسة الاحتلال وراح يدعو إلى التخلي عن الأحوال الشخصية وينادي بالاندماج، وتضاعف نشاط أصحاب هذا التيار لما يدعون إليه مع مجيء الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا وتلويحها بإجراء بعض الإصلاحات في الجزائر، فانخدع بعضهم بسياستها وظنوا أنهم واصلون إلى بعض مطالبهم (الانتخاب والتمثيل) ولو أدى بهم ذلك إلى التضحية بالهوية(43)، وكان الاحتلال قد حاول أن ينفرد بهؤلاء ويجرهم وحدهم إلى الحوار معه ليصل على أعينهم وعن طريقهم إلى مآربهم، وكانت الحكمة تقتضي أمام ذلك أن يتحرك من يمثل الأمة حق التمثيل للحيلولة بين المحتلين، وبين ما يهدفون إليه بانفرادهم بهؤلاء كممثلين للأمة ، وهم في الواقع لا يمثلون إلا أنفسهم .

وكان الوعي بهذه الحقيقة قد جعل أعضاء الحركة الباديسية يرون أنه ليس من المنطق الوقوف موقف المتفرج أمام ما تضطرب به الأجواء السياسية من غيوم محملة بالمجهول، كما أنه ليس من الطبيعي أن يتم التحاور في شؤون الأمة بين المحتل وبين النخبة و هم أقلية، في غياب أعضاء جمعية العلماء وهم يمثلون الأغلبية(44)، كما كان هؤلاء أي أعضاء الجمعية يشعرون أن ضخامة الواجب وعظمة المسؤولية التاريخية، وحسن التعامل مع الأحداث، إن هذا كله يفرض عليهم الدخول إلى هذا المعترك ذودا عن المصلحة العليا للأمة(45).

كانت هذه القناعة من أبرز العوامل التي دفعت بالشيخ ابن باديس إلى المشاركة في هذا المؤتمر تحسيسا للأمة لما يحاك ضد شخصيتها من مكائد، وحرصا على جمع كلمتها وتوحيدا لقواها الفاعلة في الساحة السياسية، بهدف مواجهة مؤامرة الاندماج والمحافظة على الذاتية بموقف واحد و رأي واحد ، و سعيا للحوار لا لمجرد الحوار(46) وإنما من أجل كسر ما اصطنعه (الأنانيون والانتفاعيون ) بمساعدة حكام الولاية العامة من حواجز للحيلولة بين الجزائر ، وبين إيصال صوتها- مطالبة بحقوقها- إلى السلطات العليا في باريس(47)، و قد سبق أن نادى ابن باديس بتكسير هذه الموانع منذ وقت مبكر في تعليقه على خطاب وزير الداخلية الفرنسي سنة 1926(48) وها هو ذا يعود ثانية ليؤكد على ذلك بعد عشر سنوات» إننا لا نزال ـ رغم القرن ـ مجهولين عند الأمة الفرنسية مجهولة مقاصدنا الشريفة السلمية المتركزة على روح الحق و الإخاء والإخلاص، فنريد أن تعرفنا وجها لوجه وتفهمنا فهما يقطع لسان كل أفاك أثيم «(49)، وإن ابن باديس بمشاركته في هذا المؤتمر ودخوله بقوة معترك السياسة عبر منبره لم يتخل بذلك عن منهجه الإصلاحي. و إنما رأى أن المصلحة العليا للأمة كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين تقتضي في هذه المرحلة أن يزاوج بين هذا المنهج و بين المنهج السياسي في وقت واحد(50) وكانت مشاركته هذه مساهمة ظرفية، وإضافة ضرورية اقتضاها الصالح العام ، ولم تكن من شأنها أن تعرقله في عملية مواصلة جهاده في بقية أهداف مشروعه الأخرى : الدينية و الاجتماعية وغيرها التي أوقف حياته عليها، وما استطاع أن يشغله عن النهوض بها غيرها(51).

وفي الواقع فإن انشغال ابن باديس بالعمل السياسي يرجع إلى وقت بعيد يمكن تحديده - كما سبقت الإشارة - ببداية مرحلة دخوله معترك الحياة العملية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ولكنه لم يكن يريد الإشهار بذلك، كما لم يكن يعطي لذلك كليته التامة لأنه كان يؤمن، أنه لاشيء أجدى على حركته من الخطة الدينية الروحية الفكرية، وأن العمل السياسي بمفهومه الشكلي (كراسي ونيابات ومكاسب وامتيازات) إثمه أكبر من نفعه(52)، وقد يجر على حركته و هي في بداية عهدها بعض المخاطر ولهذا كان يركز في هذا المضمار على ما يخدم مصلحة الأمة، بالتأكيد على مطالبها في الدين واللغة، وعلى حقوقها في العدالة و الحرية(53)، وسيتحرك بقدر واضح من الحذر والحيطة، و بأسلوب فيه غير قليل من الحكمة و الوعي بالظروف المحيطة به، و لما أحس أنه مكن ـ بعض التمكن ـ لمشروعه على أرضية الواقع، وفي سلوك الناس روحيا وعقليا، واطمأن على مسير حركته بعض الاطمئنان، شرع في تطوير نشاطه السياسي تدريجيا إلى أن توج ذلك بمشاركته في المؤتمر الإسلامي والصدع من على منبره برأيه في المسألة الوطنية ، هذا الرأي الذي لم يستطع أن يبوح به قبل أن يحين آوانه .

وقـد برهن ابن باديس بمساهمته هذه، في هذا المؤتمر، وحسن توجيهه لأشغـاله عما يتميز به من حنكة سيـاسية، و بعد نظر، و وعي عميق بملابسـات الواقـع، ومجريـات الأحداث من حوله .

وماذا يمكن أن يتصور المرء المسار الذي سيؤول إليه المؤتمر لو لم يول ابن باديس هذه التظاهرة السياسية ما تستحقه من متابعة ومواجهة، ولم يشارك هو وصحبه في أشغالها، و وقفوا منها موقف المتفرج، وهم يمثلون أغلبية الأمة، وتركوا ذلك للنخبة والشيوعيين وهم أقلية في المجتمع ؟ ترى مـاذا عسى أن يترتب من نتـائج لو سلك ابن باديس وصحبه هذا المسلك ؟

لاشك أن المجال في هذه الحال سيخلو للاحتلال فينفرد بالمشاركين في المؤتمر، فيصل على أعينهم وبمباركتهم إلى ما يشاء من أهدافه، و يبلغ بذلك من دون كبير جهد إلى مراده، فتهدر الحقوق، وتضيع الهوية، وتكون هذه النهاية ، شهادة على أن الجزائريين تنازلوا في مجتمع عام لفرنسا على شخصيتهم وحقوقهم، ويسجل التاريخ بذلك أن الجزائر، إن هي إلا كما صورها المحتلون وضحاياهم بشعاراتهم المعروفة المتنكرة لأصالة الجزائر: ملة، وأرومة وحضارة .

وهل يحسن بمن ظل طوال حياته جنديا يذود عن الأمة : وجودا و هوية ، أن يسمح لأعدائها بأن يصلوا إلى ما لم يستطيعوا أن يصلوا إليه طوال أيام احتلالهم البلاد ؟ و هل من الحكمة و سداد الرأي أن يلتزم الصمت و الحياد في مثل هذه الظروف من عرف بالمجاهرة بالحق، و مدافعة الباطل في جميع مواقفه ؟ و كيف يفعل ذلك من اتخذ الإسلام ـ و هو دين الحق و التغيير والثورة ـ مهيعا له في جميع مراحل حياته ؟

و لعله أصبح من الواضح بعد، أن هذه المشاركة في المؤتمر، قد كانت ضرورية، لا رغبة في الاحتراف بالسياسة الشكلية، و إنما كان ذلك على غيرة عن المصالح العليا للأمة.

2 ـ المطالب :

يحسن التساؤل بداية عن أهم المطالب العامة التي تقدم بها المشاركون في المؤتمر وجرى النقاش حولها في جلساته ؟ وهل كانت واحدة أو متنوعة ؟ وما هي مطالب جمعية العلماء بخاصة ؟

يمكن الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن المطالب الوطنية كانت متفرقة فبل المؤتمر وكان يتقدم بها إلى السلطة أفـراد لا تجمعهم حركة منظمة وكانت هذه المطالب تقابل دائما بالرفض طوال حكم اليمين بفرنسا و لما جاء حكم اليسار في باريس رافعا شعار المساواة والديمقراطية، متظاهرا بإجراء بعض الإجراءات بالجزائر، توجهت الأمة في مؤتمرها بمطالب عامة مشتركة، سياسية واجتماعية واقتصادية و غيرها(54).

ويحسن التفريق بين المطالبة ببعض الحقوق العامة (مطالب النخبة) التي يمكن إجمالها في المطالبة بالمساواة في الانتخاب والتمثيل، ورفع جميع الأوضاع الخاصة والأحكام الجائرة(55). وبين مطالب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تؤكد إلى جانب تلك المطالب السابقة على ما يلي :

1- اعتبار العربية لغة رسمية .

2- فصل الدين عن الدولة ( تسليم المساجد للمسلمين ) .

3- تأسيس كلية دينية لتعليم الدين الإسلامي و لسانه العربي .

4- استقلال القضاء(56).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:53 pm

و قد دخلت الحركة الباديسية هذا المؤتمر لا رغبة في السياسة الشكلية، و إنما ذودا عن هذه المطالب ولأجل ذلك دعا ابن باديس الأمة إلى الالتفاف حول هذه المطالب والتمسك بها، ورفض كل بديل عنها » وإنمـا وقفت الجمعية في مؤتمر الأمـة تضع مطـالب الدين واللغة وشروط المحافظة على الجنسية والشخصية ومثلت ذلك كله بلسانها و هيئتها أصدق تمثيل «(57) وقد أدرك دعاة الاندماج حينئذ أن هذه المطالب الباديسية ستفسد عليهم خطتهم ويبقون وحدهم في الميدان(58).

وإذا كان الباحث قد لاحظ -وهو يتصفح آثار الإمام ابن باديس وينعم النظر في مواقفه - أن نضاله قد تركز في بداية حركته على التمكين للمقومات الشخصية والمنافحة عنها والمطالبة بالمساواة بين الشعب الجزائري وبين غيره في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . ونحسب أن الذي يقيم ذلك بعين الموضوعية والإنصاف يعتبر هذا التوجه من ابن باديس في تلك الفترة المبكرة من جهاده وعيا سياسيا سديدا من الإمام وتقديرا حكيما للظروف الموضوعية المحيطة به وتقويما راشدا للتحديات والملابسات التي تكتنف الحياة الوطنية يومئذ والإمكانات الذاتية المحدودة، فالشيخ في بداية طريقه وما تزال أفكاره لم تنتشر في وسط الأمة بالقدر الذي يجعلها تعي أبعاد حركته، فتقف إلى جانبه تؤازره وتعضده و تحميه، بينما يقف المحتل في الضفة المقابلة بالمرصاد لأي صوت يريد أن يوقظ النائمين و يمسح عن جفونهم عتمة الليل البهيم، ويحدو قافلتهم على طريق الفجر الجديد، فكان هذا الوعي بهذه الظروف يقتضي من ابن باديس، ومن كل زعيم سياسي حكيم أن يراعي هذه الملابسات، فنهج الشيخ لذلك في جهاده السياسي نهجا قويما لم يعمد فيه إلى مخاطبة المحتلين ابتداء ، وإنما كان ينطلق فيه من التعليق على خطب و تصريحات الحكام المتعلقة بشؤون الجزائر و الجزائريين مستخدما في ذلك أسلوبا مرنا يقوم على الاحتكام إلى المنطق و إلى حقائق التاريخ و أحداث الواقع، فيعقب على آرائهم موازنا بين ما يدعيه أصحابها من مبادئ و ما يرفعونه من شعارات و بين ما يعاني منه الشعب الجزائري على أيديهم من مظالم ومناكر، فهم يزعمون أنهم إنسانيون أصحاب حضارة يعطفون على الشعوب المستضعفة ويدافعون عن حقوقها و يعملون على ترقيتها، و هل يطلب الشعب الجزائري من هؤلاء الغزاة شيئا غير استعادة حقوقه المغتصبة وحريته المهدورة ؟

إنه لا يطلب من هؤلاء الذين احتلوا أرضه، و انتهكوا حريته، واستباحوا حرماته، وسلبوا خيراته و تركوه نهبا بين مخالب الجهل والفقر والحرمان ، إلا أن يكفوا عنه مظالمهم ويعطوه حقوقه، ويعاملوه بميزان ما يرفعون من شعارات، وما يزعمون من مبادئ « إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها في أيام عسرها ويسرها ، ومع الأسف لم نر الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها ، فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادئها الثلاثة التاريخية (الحرية والمساواة والأخوة)(59).

وقد كان ابن باديس بهذا المنهج يهدف في حقيقة الأمر إلى غاية واحدة - كما ينص على ذلك بعض الدارسين- هي تحرير الوطن من نيل الاحتلال الأجنبي(60). وذلك عن طريق المنافحة عن مقومات الاستقلال الشخصي كمقدمة على طريق الاستقلال السياسي .

وإن الذي يعود إلى آثار الإمام يمكنه أن يتأكد من هذه الحقيقة السالفة من خلال كثير من مواقفه وغير قليل من أعماله التي كان قد تغنى فيها بالحرية منذ وقت مبكر (1925)، كما أبرز أهميتها في حياة الإنسان وغيره من الأحياء ،ولنستمع إلى الإمام وهو يبسط موضوع الحرية ويوضح حاجة الإنسان إليها بهذه الموازنة ما بين حاجة الإنسان وحاجة النبات إليها، فكما أن النبات لا ينمو » ويزهو إلا إذا كان في نطاق واسع من الفضاء والهواء والمنبت يجد فيه الحرية للنمو والازدهار، وبقدر ما يضيق نطاقه يكـون ما يصيبه من اليبس والذبول، هكـذا الإنسان، تنمـو مداركه، وتتجمد، وتقوى إرادته وتضعف، وتحسن أعماله وتقبح، بقدر ما يكـون له من الحرية الصحيحة في الحياة، فلهذا كـان الإنسان ـ شعبا و فردا ـ متعشقا للحرية بطبعه لأنها شرط كماله «(61).

ويعود إلى الحديث عن الحرية بعد أقل من سنة من تاريخ نشر مقاله السابق ، وذلك في الرابع عشر من شهر جوليت 1926 ، يوم ذكرى الثورة الفرنسية 1789 . فيعمد إلى تذكير المحتليين بهذه المناسبة ـ وهم يحتفلون بعيد حريتهم ـ ما عليهم من حقوق غيرهم في هذا المطلب الإنساني فإذا كانوا هم يحتفلون في هذا اليوم رمز الحرية عندهم ، فإن سواهم ما يزال يرسف في أغلال العبودية على أيديهم ، مهضومة حقوقه بقوانينهم الظالمة ، منتهكة حريته بسلطانهم الجائر، محروما من أبسط حقوقه في الحياة الحرة الكريمة .

وكان على الباحث أن ينتظر زهاء عشر سنوات حتى يلتقي بابن باديس مع وقفة أخرى عند موضوع الحرية وكان ذلك في خطابه الذي ألقاه في أعقاب المؤتمر الإسلامي (أوت 1936) وقد أعرب فيه ـ بما يفسر أهدافه من هذا المؤتمر ـ عن حب الشعب الجزائري للحرية، وتعلق قلوب أبنائه بها، واستعدادهم للتضحية من أجلها، حاضرا ومستقبلا » أيها الشعب إنك بعملك العظيم الشريف (المساهمة في المؤتمر)برهنت على أنك شعب متعشق للحرية هائما (كذا) بها، تلك الحرية التي ما فارقت قلوبنا منذ كنا نحن الحاملين للوائها ، وسنعرف في المستقبل كيف نعمل لها، وكيف نحيا ونموت لأجلها «(62).

وتعود على الإمام ذكرى هذا اليوم من سنة 1939 ، فيعود إلى التذكير بما وقف عنده من قبل ، من حقوق الشعب الجزائري في الحرية، هذه الحرية التي ظل قلبه إلى هذه الأيام الأخيرة من حياته يفيض هياما بها وشوقا إليها : » آه ، آه أيتها الحرية المحبوبة ، واشوقاه إليك بل واشوقاه إليهم ، المحيا محياهم، والممات مماتهم ، أنقذ اللهم بهم عبادك وأحي بلادك، وألحقنا ـ اللهم بهم ـ غير مبدلين ولا مغيرين آمين «(63).

وقد يقول قائل إن ابن باديس طالب بالحريات العامة وتحدث عنها حديثا عاما . فهل تحدث عن الاستقلال بمعناه السياسي المعروف ؟

لقد وقف الإمام عبد الحميد عند معنى الاستقلال السياسي وألح على تكرار هذه الكلمة واشتقاقاتها عشر مرات في بضعة أسطر في مقاله (حول كلمتنا الصريحة) ومما جاء فيه من ذلك قوله » إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا وقد استقلت أمم كـانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة« (64)، مؤكدا خلال ذلك على إمكانية استقلال الجزائر مستقبلا وإنها صائرة بإذن الله إليه، وأن حالتها الحاضرة ليست بدائمة ثم يعود بعد حوالي سنة إلى الحديث عن استقلال الجزائر بأكثر دقة وأكثر تحديدا ، وذلك في معرض التعبير عن تأييده واحترامه لمن وقف من زعماء الجزائر (أعضاء حزب الشعب الجزائري) يومئذ موقفا معارضا من مشروع (فيوليت) متمنيا أن يبقى هؤلاء الزعماء الوطنيين ثابتين على مواقفهم ، مصرين على مطالبهم في الاستقلال يؤكد الإمام على هذه الحقيقة فيقول : » ونحن نحترم رأي هذه الأقلية ، ونِمن بقاءها على رأيها وهي تطالب بالاستقلال، وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال ؟ إن البهيمة تحن إلى الاستقلال الذي هو أمر طبيعي في وضعية الأمم «(65).

وبهذا الإيمان الكبير بوعد الله بالنصر لعباده المؤمنين ، وبهذا الحوار الواضح الصريح سؤالا و جوابا يؤكد الإمام من أن استقلال الوطن آت - بإذن الله - ، وبإيمانه العميق بحق وطنه في هذا المطلب ، قضى حياته مجاهدا في عدة جبهات ، ولكنها سنة الله في كونه ، إذ لكل حدث آوانه ، ولكل أجل كتاب . وما على الإنسان المؤمن إلى أن يتوكل على الله ثم يتخذ الأسباب ويسير في الطريق الصحيح وفق السنن في الطريق إلى غاياته وإن الله لناصره وهو متمم وعده وناصر عبده .

يؤكد الشاعر محمد العيد آل خليفة هذه الحقيقة في معرض إشادته بجهود الأعلام المصلحين في بعث النهضة التي كانت المهـاد لثورة نوفمبر العظيمة(66) فقد غرس أولئك الأعلام المجاهدون البذور الأولى لهـذه الثورة في النفوس وفي العقول وفي السلوك. وخلف من بعدهم خلف اقتفى الأثر وسار على الدرب وفجر الثورة وجاد بالتضحيات وضرب أروع الأمثلة في البطولات وحقق النصر، ومضى يشيد على أرض الجزائر الحرة الدولة الجزائرية الحرة المستقلة، يشير محمد العيد إلى بعض ذلك فيقول :

سلام على الأعلام ما طاب ذكرهم وآثارهم في العــلم والعـلم يخلد

لقد زرعوا زرعـا فأخرج شطأه كأخصب محصول لمن هـب يحصد

وابقـوه للأجيال ذخـرا مباركـا وزادا من الـذكـرى لمن يتــزود

وأقبل جيل بعـده غـرس ثـورة عصامية يرجـو النمو و ينشـــد

ويبني على أرض الجـزائر أمـة مثاليــة في وعيــها ويشـيـد(67)

وبعد فيمكن أن يكون قد أصبح من الواضح - أمام هذه الحقائق -، تهافت مزاعم من يدعي أن ابن باديس كان يساير بمشاركته في المؤتمر فكرة الاندماج، كيف يصدق عاقل أن يصدر ذلك ممن جمع الشعب بعد عودته من رحلة المؤتمر إلى باريس وخطب فيه، داعيا إياه إلى التبصر والثبات في مواقفه ، تمسكا بشخصيته، و ذودا عن حقوقه، مذكرا إياه بما عرف عنه من تعشقه للحرية ، ملمحا إلى استعداده بإعلان الثورة من أجلها(68).

3- النتائج :

لقد أسفرت مداولات المؤتمر على جملة من النتائج أهمها :

1- بلورة الفكرة الوطنية و تطور العمل السياسي.

2- اتحاد جميع العناصر المشتركة في المؤتمر على مبدأ المحافظة على الشخصية .

وهكذا وقع إقرار الأمة في مؤتمرها العام على مطلب عام واحد و هو » المحافظة التامة على المميزات الشخصية والمطالبة بجميع الحقوق السياسية «(70) ويعني هذا بعبارة أخرى » إعطاء الأمة الجزائرية جميع الحقوق مع محافظتها على جميع مقوماتها (71) وقد انبثق عن أشغال المؤتمر وفد يرأسه محمد الصالح بن جلول وشارك فيه من العلماء ابن باديس و العقبي و الإبراهيمي .

حمل الوفد هذه المطالب إلى باريس، وتحاور مع السلطة الفرنسية هناك، وأبدى رأيه في المسألة الوطنية وحاول أن يسمع الرأي الآخر، و مكث هناك ثمانية أيام قضاها كلها في المساعي والاتصالات مع مختلف السلطات ومختلف التيارات السياسية ، فنهض الوفد بمطالب الأمة » بصدق و أمانة و شرف «(72).

وكان رد فعل السلطات الفرنسية بزعامة الجبهة الشعبية بأحزابها الثلاثة الكبرى: الاشتراكيون الشيوعيون ، و الراديكاليون حول المطالب الوطنية يختلف من جهة إلى أخرى .

فأما الاشتراكيون والشيوعيون فقد أبدوا بعض التفهم وبعض الموافقة على مطالب المؤتمر عامة، وأما الراديكاليون فقد ظهر منهم تريث و احتراز على بعض المطالب، ومعارضة شديدة على بعضها الآخر(73) وقد صارح (دالادي الراديكالي ) وزير الحربية الفرنسية يومئذ أعضاء الوفد الجزائري بعدم موافقته على إعطاء الجزائريين النيابة البرلمانية ، ماداموا محافظين على أحوالهم الشخصية الإسلامية » إني أعارض كل المعارضة في إعطائكم النيابة البرلمانية ما دمتم على حالتكم الشخصية الإسلامية «(74) ومما يروى أن (دالادي) قد علق على ابن باديس وهو يتحدث عن المطالب الوطنية بما معناه : يمكنكم أن تحصلوا على مطالبكم حينما تكون لكم مثل هذه ـ وهو يشير إلى المدافع ! المنصوبة في بهو القصر ـ فأجابه ابن باديس على الفور : أجل عندنا ما أعظم من هذه المدافع ! عندنا قوة الله !.

لم يسجل ابن باديس مضمون هذا الحوار، الذي دار بينه وبين (دلادي) فيما كتب على هامش هذا المؤتمر، وإنما يروى هذا الحوار، أكثر من واحد من معاصريه(75) ثم يعود الوفد إلى الوطن وليس في حقيبته إلا الوعود، و إذا كان بعض أعضاء الوفد قد علق كبير أمله على هذه الوعود ، ورأى رئيس الوفد نفسه أن المؤتمر غاية وأن مطالبه أقصى المطالب، وقدم مساعيه إلى الأمة، على أنها عمل بطولي(76) فإن ابن باديس لم يكن متفائلا إلى هذا القدر، ولم ير في المؤتمر ومطالبه ذلك الرأي و إنما قدمه إلى الشعب على أنه ليس أكثر من خطوة أولى على طريق جهاده، تتلوها خطوات و وثبات ولذلك دعاه إلى المزيد من العمل و الاستعداد بما يعقبها من صمود وجهاد ، وما يترتب عن ذلك من نصر أو استشهاد ، يخاطب الشعب بهذه الحقائق فيقول : » واعلم أن عملك هذا على جلالته ما هو إلا خطوة ووثبة ، و وراءه خطوات و وثبات ، و بعدها إما الحياة و إما الممات«(77).

ويدخل الإمام في أعقاب هذه المستجدات مرحلة جديدة من نضاله السياسي، استهدف من خلالها الرفع من القدرات الجهادية لأمته، داعيا إياها إلى الاعتماد في ذلك بالدرجة الأولى على العناية الإلهية ، ثم على إمكاناتها الذاتية وعلى جهود المخلصين من أبنائها، آخذة العبرة مما انتهت إليه مساعيها المختلفة(78) حريصة على توحيد صفها، عاملة بتبصر وتثبت على إفشال ما تبثه السلطة من مكائد المكر والخديعة ضد شخصيتها، رافضة المساومة عليها بأعراض الدنيا كلها، وما قيمة دنيا بلا دين » فلعنة الله على الدنيا كلها، إذا لم يكن فيها دين «(79).

ويحذر الكاتب المحتلين في الوقت ذاته من مغبة الاستمرار في التعامل مع الأمة بأساليبهم البالية متمثلة في سياسة المماطلة والتغاضي عن الحقوق ، و يطول الأمد و يكاد رصيد الصبر أن ينفد ولم يصل إلى الجزائر شيء من تلك الوعود، و إنما وصلتها أنباء تفيد أن السلطات

الفرنسية قـامت بتشكيل لجنة كلفتها بزيارة الجزائر والقيام بدراسة الأوضاع وتقصي الحقائق فيها في أجل أقصاه ثمانية عشر شهرا(80).

ويرى ابن باديس أمام هذا الباب المسدود الذي انتهت إليه المساعي الوطنية من جراء التسويف و المماطلة أن يدعو إلى عقد مؤتمر ثان للنظر في هذه المستجدات واتخاذ موقف موحد تجاهها و يؤكد أن هذه التطورات و إن بلغت إلى ما بلغت إليه من تدهور وتنكر، ومهما نجم عنها من يأس و خيبة، فإن ذلك لم يكن من شأنه أن يؤدي إلى إحداث الضجر والسأم في النفوس المؤمنة ودفعها من ثم إلى القعود عن العمل والسعي، كما يتوقع ويتمنى المغرضون، وإنما سيكون للأمة من ذلك ما يقوي فيها العزم على التغيير من أساليب الجهاد المتمثلة في المطالبة والانتظار، ويدفعها من ثم إلى إعلان الثورة على الغاصبين » كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر الذي يقعدنا عن العمل و إنما تدفعنا إلى اليأس الذي يدفعنا إلى المغامرة و التضحية «(81).

وواضح من خلال ما في هذا النص من ملامح التعريض بالعدو، التلميح بإعلان الثورة ضده غير أن هذا العزم على امتطاء صهوة الجهاد لم يثن ابن باديس في الوقت ذاته من الاستمرار في طرقه أبواب السلم عسى أن يلقى ذلك آذانا صاغية لدى المحتلين فيستجيبوا لنداءات المظلومين قبل أن يفوت الأوان ، وتحين ساعة الخطر، وتنفجر » تلك الصخور بما تحتها من براكين لا يدري إلا الله يوم انفجارها وطالما انفجرت في أطوار التاريخ فانتقم الله بها ممن شاء ، تلك سنة الله ، و لن تجد لسنة الله تبديلا «(82).

وتشهد هذه المرحلة تطورا ملحوظا في المنهج السياسي لابن باديس، ونضجا واضحا في نظرته إلى الواقع، و تحليلا واعيا لما يجري في ساحته من تطورات ، مما دفعه إلى تغيير بارز في أسلوب تعامله مع الأحداث .

ويتوجه الإمام إلى الأمة وإلى نوابها لمجموعة من التوجيهات ركز فيها على توحيد الصفوف وشحذ الهمم، وتنوير الأذهان، والإصرار على التضحية من أجلها، داعيا النواب إلى مقاطعة المجالس النيابية وعدم الرجوع إليها ما لم يتم التصريح بالمحافظة على الشخصية(83) ويستجيب كثير من النواب لنداء الزعيم فيقدموا استقالتهم في مختلف المجالس النيابية(84).

وتستجيب الأمة لتوجهات قائدها فتمضي بعزم وثقة في إعلاء أسس بناء الحاضر بوضع اللبنة على اللبنة في بناء مستقبلها، ويمضي ابن باديس في التمكين لأسس مشروعه بمنهج لا يطغى فيه العمل السياسي على غيره، وإنما يزاوج فيه بين هذه الناحية وبين غيرها، يزاوج فيه بين الدين وبين العلم، بين السياسة والاجتماع ، بين الإسهام النظري والجهاد العملي، ناظرا بعين إلى الحاضر، مندمجا في قضاياه لا يثني عزمه عن الإسهام فيه ما يضطرب به من عواصف وأعاصير، وينظر بالعين الأخرى إلى المستقبل ، متفائلا بما سيحمل بين جوانحه للأجيـال من ثمار يانعة وقطوف دانية على طريق السيادة والعزة و الأصالة، فاليـوم تبني » هذه النحلة العاملة التي تسمى الأمة الجزائرية المسلمة العربية خليتها، وغدا سيجني أبناء المستقبل عسلها السائغ «(85).

و يمضي ابن باديس في هذا الدرب بهذا اليقين فيسلمه ذلك إلى هذه الحقيقة التي ما فتئ يؤمن بها وزاد إيمانه بها قوة بمرور الأيام ، بأنه لا مناص للوصول إلى الأهداف الوطنية العليا من إعلان الجهاد على المحتلين و ليس هناك أجدى على الأمة و أنجع في افتكاك حريتها واسترجاع سيادتها من ركوب متن الثورة، وقد فكر الإمام في الإقدام على ذلك فعلا - والحرب العالمية الثانية على الأبواب- كما يذكر بعض معـاصريه(86) بيد أن داعي الحق إلى الحق دعاه فلبى النداء، وانتقل إلى جوار ربه – رحمه الله - وقلبه يخفق بالثورة وعقله يخطط لها .

وتواصل الأمة جهادها على نهج قائدها الفقيد ، ويصمم الخلف على استكمال المسيرة على درب السلف، فيتعهد تلك البذور بحسن الرعاية فيخرج الزرع شطأه ويستوي على سوقه، ويفجر الشعب ثورته المباركة ، فينجلي الليل، و تشرق الشمس، و يكون الصباح(87).

وإن المتأمل في هذه الجوانب من الجهاد السياسي لابن باديس يلمس أنه عرف نضجا ملحوظا ومر أثناء ذلك بمراحل عديدة ، فماذا عن ذلك ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:54 pm

سابعا: نضج وتطور

ومما يمكن ملاحظته عن العمل السياسي للكاتب أنه مر بمراحل ثلاث تميز في كل منها موضوعا وأسلوبا بطوابع خاصة أملتها الظروف التي اكتنفت المسألة الوطنية من فترة إلى أخرى :

1 ـ فقد كان في المرحلة الأولى يكاد يتحرك في الميدان بمفرده ولم يكن منضويا في حركة منظمة ، كما أن الوعي السياسي لم يكن منتشرا في أوساط الأمة بالقدر الذي يمكنها من إدراك أبعاد مشروعه في هذا المجال وكانت النهاية التي آلت إليها جهود (الأمير خالد) نصب عينيه فكان عليه ـ لهذه العوامل ـ أن يراعي جميع الملابسات ، فلم يجرأ لذلك في هذه الفترة على مصادمة المحتلين بخطابه السياسي الصريح محافظة على حركته وهي في بداية الطريق من مخاطر الانتقام، وإنما كان ينطلق فيه، وبأسلوب يتميز بغير قليل من اللين والمرونة والاعتدال من خطب الحكام وتصريحاتهم، معلقا عليها، مذكرا أصحابها بما يرفعونه من شعارات وبما يزعمونه من مبادئ ، مطالبا إياهم بإنجاز ما ترمز إليه هذه وتلك، من تمكين المستضعفين من حقوقهم .

وكان أقصى ما رمت إليه هذه المطالب يومئذ رفع الغبن عن الشعب الجزائري والتخفيف عليه من حدة ما يعانيه من آثار الإجراءات التعسفية التي تشد بعنف على عنقه، والمطالبة بمساواته في مجالات الحياة المختلفة بغيره، ومنحه ما يستحقه من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية كفاءا لما قام به من واجبات فتميزت هذه المرحلة على وجه الخصوص بهذه السمات :

أ‌- حرص الكاتب على الربط في منهجه السياسي بين المقومات الشخصية والحقوق الوطنية(89).

ب‌- انطلاقه في خطابه السياسي من تصريحات الحكام ، يذكرهم بمزاعمه الديمقراطية ودعاويهم السياسية ليأمن من مكرهم، و يقيم الحجة عليهم في وقت واحد. و ليس هذا من قبيل المداهنة أو المواربة ، وإنما هو أسلوب حكيم ، يجعل المخاطب به يختار بين أمرين اثنين : إما أن يصدق مزاعمه ويسلم بما ترمز إليه من قبول الرأي الآخر والكف عن إذاية أصحابه والإسراع في إنجاز ما يطالبون به من حقوق، وإما أن يكذبها فيجرد نفسه من أعز ما يتبجج به، وفي هذا الأسلوب ما فيه من واضح الدلالة على حنكة صاحبه و حكمته، وهو وإن لم يصل بذلك إلى أي شيء مما يرمي إليه من الحقوق فإنه سيأمن - لاعتداله ومرونته- بعض الأمان على نفسه من شر المعتدين.

ج- و قد زاد في إبراز صورة هذا المنهج وتأكيده ما تميزت به أدوات التعبير في هذه المرحلة من ميل إلى القصد، والمرونة، والاعتدال .

2 ـ أما المرحلة الثانية فيمكن تحديدها ببداية الثلاثينات، وتتميز في تاريخ الجزائر باشتداد الحملة التغريبية على الهوية الحضارية للشعب الجزائري بظهور مشروع (فيولييت) ومؤامرة الاندماج كما شهدت في الوقت ذاته ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فأصبح الإمام يتحرك في إطار منظم يقف إلى جانبه كوكبة من الأعلام يعضدونه و يؤازرونه ، وتلتف من حوله بوادر استجابة منبعثة من صفوف الأمة تبـارك حركته،

مما جعله يضاعف من جهاده ذودا عن الشخصية والوقوف بشدة في وجه المحاولات الرامية إلى إجهاض الحركة الوطنية والانحراف بها عن الأهداف الحقيقية عن طريق المناداة ببعض الحقوق مقابل التنازل عن الشخصية . واقتضى منه ذلك أن يطور خطابه السياسي موضوعا وأسلوبا، بما يتماشى والمستجدات على الساحة السياسية ، فانتقل فيه من التلميح بالمساواة في بعض الحقوق، إلى التصريح بالمساواة في كل الحقوق ولم يعد ينطلق فيه من خطب سياسية ، وإنما يبتدئه ابتداءا من مواقف ميدانية ثابتة .

و كان أهم ما ميز هذه المرحلة هذه الملامح :

أـ التصدي صراحة إلى السياسة الاستدمارية بإفشال مخططاتها ضد المميزات الذاتية للشعب الجزائري .

ب ـ مقاومة (مشروع فيوليت) و إحباط ما يرمي إليه من التغريب و الاندماج .

3 ـ أما المرحلة الثالثة فقد تزامنت مع انعقاد المؤتمر الإسلامي الذي شهد تقديم جملة من المطالب على منبره للسلطات الحاكمة في باريس وانتهاء ذلك إلى لاشيء فخرج ابن باديس من هذه التظاهرة وما أعقبها من مناورات بتجربة سياسية ثمينة عمقت خبرته بأساليب السياسية الاستدمارية وما تقوم عليه من مكر وخداع وتعصب ، فانعكس ذلك على منهجه السياسي فعرف بعض التطور، استبدل فيه الأسلوب الصريح بأسلوب التلميح، ومنهج المغالبة بخطة المطالبة، وانتهى به ذلك إلى شيء من اليأس ، إلا أن ذلك لم يدفعه إلى القعود عن العمل، و إنما زاد في شحنة يقينه بما خلص إليه ، بأن لاشيء يجدي الأمة في بلوغ مراميها العليا غير المجابهة الميدانية للمحتليين بإعلان الجهاد عليهم و الاعتماد في ذلك على العناية الإلهية، ثم على الإمكانات الذاتية .

و مضى على هذا الدرب يتوعد المحتل و يحذره من مغبة صلفه وتعنته، و يحث الشعب من جهة أخرى على إعداد العدة وتعبئة الطاقات لإعلان الثورة ، فانتقل إلى جوار ربه (رحمه الله) و قد ترك الشعب و قد اطمأن لفكرته وتبنى خطته، ولم يلبث إلا قليلا حتى فجر بركان ثورته الخالدة من

جباله المنيعة وتوج جهاده بافتكاك حريته عنوة من أيدي المحتلين ، وكان من أهم ما ميز عمل الإمام في هذه المرحلة :

أ ـ انتقاله في خطابه السياسي من الأساليب العتيقة إلى أساليب أكثر فاعلية في بلوغ المقاصد

ب ـ الاستمرار في ترك باب الحوار مفتوحا و فتح باب جديد إلى جانبه تمر منه الأمة بعد حين إلى أهدافها في التحرير والرقي .

ج ـ التعريض بمصير الظالمين و تشديد اللهجة في مخاطبتهم والتلويج بالثورة عليهم .

ومما يمكن أن نخلص إليه ختاما لهذه الفقرة أن القضية الأساسية التي كانت تشغل بال الإمام وتدفعه من ثم ليتحرك في هذا الاتجاه أو ذاك أو يأخذ هذا الموقف أو غيره، إنما هي قضية واحدة و هي المسألة الوطنية بكل جوانبها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية وغيرها، بيد أن هذه النظرة السياسية لهذه الجوانب المختلفة و أسلوب التعامل معها كان يختلف من مرحلة إلى أخرى، فكانت تطفو على سطح الاهتمام في مرحلة بعض الجزئيات وفي مرحلة أخرى تتعلق العناية بغيرها، مما طبع أسلوبه في المرحلة الأولى بشيء من المرونة والتلميح، وتطور في المرحلة الثانية فتلون بشيء من المجابهة والتصريح . وخلص في المرحلة الثالثة إلى المجاهرة بالموقف الجريء والرأي الصريح .

ثامنا : الخاتمة

ونخلص في نهاية هذه الدراسة إلى التأكيد على أن الإمام ابن باديس قد استمر على هذه النهج إلى آخر حياته مجاهدا في سبيل نصرة دين الله الإسلام، و لسانه اللغة العربية منافحا عن الجزائر قيما ومقومات، حقوقا وتطلعات، محتسبا ما يلقى في سبيل ذلك من مختلف صنوف الإرهاب والعنت و الابتلاء. وكان من آخر ما يمكن أن يعكس موقفه هذا ـ فيما أعلم الله ـ ذلك العهد الذي أخذه على نفسه أمام صحابته وجمع حاشد من الأمة خلال الكلمة القيمة التي ألقاها في حفل أقامته عدة جمعيات تربوية وفنية وكشفية بقسنطينة (أوت 1939) .

لقد عاهد الله في هذه الكلمة ثم عاهد صحبه - و وفى بما عاهد - على أن يقضي ما بقي له من العمر كما قضى ما فات منه على خدمة الإسلام والعربية والذود عنهما » إنني أعـاهدكم على أنني أقضي بياضي على العريبة والإسلام ، كما قضيت سوادي عليهما وأنها لواجبات... وإنني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم ، وأطلب منكم شيئا واحدا وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن «(90) وكانت هذه الصيحة ـ فيما يبدو ـ آخر صيحة له توج بها سجل مسيرة جهاد طويلة ، ولم يمكث ـ رحمه الله ـ بعد ذلك إلا قليلا حوالي ثمانية أشهر ثم انتقل إلى جوار ربه في السادس عشر من أفريل 1940 ، قرير العين مطمئن القلب ، بما عاهد الله ثم الناس عليه، وبما وفى ، و بما سيلقى - إن شاء الله - عند ربه من واسع المغفرة وجزيل المثوية وعظيم الأجر ، فبكته الأمة إماما مصلحا ، وعالما عاملا، و مجاهدا بطلا، و زعيما مخلصا، ومن بين من خلد هذا المصاب الجلل في إبانه شاعر الجزائر الكبير محمد العيد آل خليفة بهذه المقطوعة ( يا قبر) :

يا قبر طبت وطاب فيك عبير هـل أنت بالضيف العـزيز خبير ؟

هذا (ابن باديس) الإمام المرتضى (عبد الحميد) إلى حمـاك يصـير

العالم الفذ الذي لعلومه صيت بأطراف البـلاد كبير

بعث الجزائر بعد طول سباتها فالشعب فيها بالحياة يصير

وقضى بها خمسين عاما كلها خير لكـل المسلميين وخير

ومضى إليك تخصه بثنـائها وإليه من بين الرجال تشير

(عبد الحميد) لعل ذكرك خـالد ولعـل نزلك جنة وحـرير

و لعل غرسك في القرائح مثمر ولعل وريـك للعـقـول منير

لا ينقضي حزن عليك مجدد وأسى له بين الضلـوع سعير

نم هادئا فالشعب بعدك راشد يختط نهجك في الهدى ويسير

لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى فالوارثـون لما تركت كثير

نفحتـك من رحمات ربك نفحة وسقاك غيث من رضـاه غـزير(90)
هوامش

(1) ينظر ابن خلدون : المقدمة 4 : 1361 تحقيق د/ علي عبد الواحد وافي ط2 القاهرة 1964.

(2) ابن باديس حياته وآثاره 1 : 72 ، تقديم د/عمار طالبي ط1 دار اليقظة العربية دمشق 1968.

(3) م . س 4 : 22

(4) آثار الإمام ابن باديس 5 : 333 وزارة الشؤون الدينية الجزائر دار البعث - قسنطينة- 1982 .

(5) ابن باديس حياته وآثاره 3 : 308.

(6) ينظر د/ فهمي جدعان : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ص 346. ط 2 بيروت 1981 .

(7) ينظر ابن باديس حياته وآثاره 4 : 192 وينظر حمزة بوكوشة (المعرفة) ع10 (ذوالحجة 1383/ أفريل 1964) ص 17.

(Cool سورة آل عمران، الآية : 110. ينظر السيوطي : صحيح الجامع الصغير برقم 6126 . تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ط2 المكتب الإسلامي بيروت 1979.

(9) ينظر الجوهري : الصحاح 3 : 938 مادة (سوس) ط 3 تحقيق أحمد عبد الغفور عطار دار العلم للملايين بيروت 1984.

(10) المقدمة 1 : 414.

(11) ينظر آثار الإمام 5 : 579 .

(12) عيون البصائر ص 39 . ط2 الشركة الوطنية الجزائر د – ت.

(13) ينظر آثار الإمام 6 : 158.

(14) ينظر آثار الإمام 5 : 286.

(15) ينظر م . س 6 : 173.

(16) م . ن 5 : 532 وما بعدها .

(17) ينظر آثار الإمام 3 : 105.

(18) ينظر على التوالي : شارل أندري جوليان : إفريقيا الشمالية تسير ص 133 ، 106 ت : المنجي سليم و آخرون .الدار التونسية للنشر (ش.و.ن.ت) الجزائر 1976 .

(19) ينظر على التوالي : شارل أندري جوليان : إفريقيا الشمالية تسير ص 133 ، 106 ت : المنجي سليم و آخرون .الدار التونسية للنشر (ش.و.ن.ت) الجزائر 1976 .

(20) د/ أبو القاسم سعد الله الحركة الجزائرية 3: 18. معهد البحوث والدراسات العربية القاهرة 1975.

(21) ينظر آثار الإمام 4 : 199 وينظر 5 : 357.

(22) ينظر ابن باديس حياته وآثاره 3 : 338.

(23)ينظر آثار الإمام 4 : 118 ينظر آثار الإمام 4 : 118.

(24)ينظر ابن باديس حياته وآثاره 3 : 337 ينظر ابن باديس حياته وآثاره 3 : 337.

(25)ينظر آثار الإمام 5 : 222 ، 223.

(26)د / أبو القاسم سعد الله : الحركة الوطنية الجزائرية 3 : 17.

(27) آثار الإمام 5 : 326.

(28) ينظر م . ن : 314.

(29) ينظر م . ن : 380.

(30) م . س 4 : 118.

(31) م . س 5 : 327.

(32) م . س 4 : 118.

(33) آثار الإمام 5 : 329.

(34)د / محمد العربي عدواني : ندوة الجاحظية 5 / 02 / 1990 ، فندق الأوراسي - العاصمة –

(35)ينظر آثار الإمام 5 : 379.

(36)ينظر د / أبو القاسم سعد الله : الحركة الوطنية الجزائرية 3 : 17.

(37) فيوليت سبق التعريف به ، أما (بلوم) فهو رئيس الحكومة الفرنسية يومئذ .

(38)ينظر ابن باديس حياته وآثاره 3 : 370.

(39)آثار الإمام 4 : 118.

(40)انعقد المؤتمر الإسلامي بالجزائر العاصمة في 7 جوان 1936.

(41)آثار الإمام 5 : 380.

(42) ينظر البصائر : السلسلة الثالثة ع : 22 شعبان 1415 / ماي 1985.

(43) ينظر أبو يعلى الزواوي : جماعة المسلمين ص 53 . مطبعة الإرادة الجزائر 1947.

(44) آثار الإمام 5 : 326.

(45) ينظر م . ن : 293.

(46) ينظر تركي رابح. الشيخ عبد الحميد ابن باديس فلسفته وجهوده في التعليم ص : 79 (ش.و.ن.ت) الجزائر د- ت.

(47) آثار الإمام 6 : 152.

(48) م . ن : 186.

(49) م . س 5 : 245.

(50) آثار الإمام 5 : 430.

(51) ينظر مالك بن نبي : شروط النهضة ص 26 – 29 . ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين –دار الفكر- بيروت 1969. و ينظر مذكرات شاهد القرن (الطفل) ص 228 - 233 ترجمة مروان القنواتي –دار الفكر- بيروت 1969. و ينظر ابن باديس حياته وآثاره 1 ( التقديم).

(52) آثار الإمام 6 :181.

(53) م . س 5 : 333.

(54)ابن باديس حياته وآثاره 3 : 360.

(55)آثار الإمام 4 : 117.

(56)د/ أبو القاسم سعد الله : الحركة الوطنية الجزائرية 3 : 283.

(57)آثار الإمام 5 : 311 ، 313.

(58) م . ن : 333.

(59) ينظر حمزة بوكوشة المعرفة ع 10 (ذو الحجة 1383 / أفريل 1964 ) ص 196.

(60) آثار الإمام 5 : 174.

(61) محمد الميلي ابن باديس وعروبة الجزائر ص : 22 . دار الثقافة بيروت 1973.

(62) ينظر آثار الإمام 5 : 182 و ينظر م . س 6 : 216.

(63) آثار الإمام 6 :151 ، 152.

(64) ينظر م . س 6 : 353.

(65) م . س 5 : 305.

(66) آثار الإمام 4 : 118.

(67) ينظر أحمد حماني (الثقافة) ع : 38 (جمادى الأولى 1397 / أفريل 1977) ص : 105.

(68) العيديات المجهولة ص 144 صنعة الكاتب المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الجزائر – وحدة الرغاية – 2003.

(69) آثار الإمام 6 : 151.

(70) آثار الإمام 5 : 326 ـ 329.

(71) آثار الإمام 5 : 326 ـ 329.

(72) م . س 4 : 313 ـ 312.

(73) م . س 4 : 313 ـ 312.

(74) م . س 6 : 167.

(75) ينظر حمزة بوكوشة (المعرفة)ع10 (ذو الحجة 1383 / أفريل 1964)ص 19.

(76) ينظر آثار الإمام 5 : 317.

(77) ينظر آثار الإمام 5 : 317.

(78) م . ن 5 : 334.

(79) م . س 6 : 190 ـ 170.

(80) م . س 6 : 190 ـ 170.

(81) آثار الإمام 5 : 338.

(82) م . س 6 : 320.

(83) م.ن : 168.

(84) م.ن : 157 – 158

(85) م.ن : 157 - 158

(86) ينظر حمزة بوكوشة (المعرفة)ع10 (ذو الحجة 1383 / أفريل 1964)ص 21.

(87) ينظر أحمد حماني (الثقافة) ع : 38 (جمادى الأولى 1397 / أفريل 1977) ص : 100.

(88) ينظر ابن باديس حياته وآثاره 3 : 278.

(89) ينظر آثار الإمام 6 : 366 وما بعدها .

(90) ديوانه ص 474 . دار البعث قسنطينة 1967.

عن مجلة بونة للبحوث والدراسات ، العدد الثاني - خاص بجمعية العلماء المسلمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:55 pm

جمعية العلماء المسلمين وقيام ثورة نوفمبر الخالدة
1954 – 1962



بقلم أحمد سلماني السلطاني


كاتب وباحث في التاريخ


مقدمة:

1 – الاحتلال الفرنسي وقيام الانتفاضات الشعبية:

قبل التطرق بشيء من التفصيل إلى موضوع جمعية العلماء المسلمين وعلاقتها بقيام ثورة نوفمبر المجيدة 1954، لا بد من إلقاء نظرة خاطفة على الظروف السائدة التي سبقت إعلان ميلاد جمعية العلماء المسلمين، فقبل الإعلان الرسمي عن تأسيسها في الخامس 05 من ماي 1931، كانت الجزائر تعيش في دوامة من المأساة كالجهل والفقر والمرض نتيجة الاحتلال الفرنسي الغاشم، فمنذ أن وطأت قدماه أرض الجزائر العربية المسلمة، والجزائر تئن تحت وطأة الثالوث الأسود (الفقر ، المرض، الجهل) المفروض عليها غصبا وقهرا.

ففي 4 جوان 1830، نزلت القوات الفرنسية الغازية بميناء سيدي فرج غرب العاصمة، وفي ظرف ثلاثة أسابيع فقط بالميناء المذكور، تم احتلال الجزائر العاصمة يوم 05 جويلية 1830.مما يدلنا على أن عملية الاحتلال تم التخطيط لها منذ 1827، أي بعد تحطيم الأسطول الجزائري إلى جانب الأسطول العثماني في معركة نفاري الشهيرة باليونان 1827.

أما ما تدعيه فرنسا الاستعمارية من أن قضية المروحة هي السبب المباشر للاحتلال، فهذا غير صحيح ولا يمكن الأخذ به فحادثة المروحة ما هي إلا تكملة ووسيلة لإتمام ما تم تخطيطه منذ ثلاث سنوات، لتنفيذ عملية الاحتلال وقد استمرت عملية الاحتلال للجزائر من 1830 – 1916.

وخلال هذه الفترة من الاحتلال قام الشعب الجزائري الأبي بثورات شعبية وبانتفاضات متتالية، استمرت من 1830 إلى انفجار حوادث 08 ماي بقالمة وسطيف وخراطة، وغيرها من جهات الوطن، مما يدل دلالة واضحة على أن الشعب الجزائري عبر تاريخه الطويل، لم يتهاون لحظة في الدفاع عن سيادته وكرامته المهدورة، ولم يبخل يوما بالتضحيات الجسام، التي قدمها قربانا للحرية وذلك من أجل عروبة الجزائر وإسلامها وتحريرها من الرق والعبودية.

كما أنه لم يرض في يوم من الأيام بالسياسة الاستعمارية المفروضة عليه بالقوة وبالحديد والنار، من أجل الحرية والكرامة ضحى بالآلاف، بل بالملايين من الشهداء الأبطال، عبر نضاله وكفاحه المرير من أجل كرامته المسلوبة ضحى بالغالي والنفيس، فذاق من أجل استرجاعها ألوانا شتى من العذاب والهوان، ولعل ما قدمه من تضحيات وقوافل من الشهداء إبان فترة الاحتلال لخير شاهد على مدى استهتار الإدارة الفرنسية الاستعمارية بالجزائر وبالقوانين والأعراف الدولية والتي تنص على احترام مبدأ السيادة والحرية للشعوب المضطهدة والمغلوبة على أمرها.

إلا أن فرنسا لم تقم بشيء يذكر في هذا المجال، بل استمرت في تجاهلها لكل المواثيق الدولية ولم تحترم ما تم إقراره في أروقة الأمم المتحدة من بنود وقوانين وغيرها، وكل ما في الأمر أنها اتخذت من سياسة القمع والقتل والحرق أسلوبا مثاليا لمجابهة ثورات الشعب، فكلما ثار في وجه سلطات الاحتلال إلا وتقابله بالحديد والنار، وهذا ما أدى إلى بروز المقاومة المسلحة المضادة لسياسته الاستعمارية فكانت أول مقاومة مسلحة هي:

- المقاومة بقيادة الأمير عبد القادر بالغرب الجزائري من سنة 1832 – 1847، وقاد الحاج أحمد باي المقاومة بالشرق الجزائري من 1830 – 1848.

لقد استمرت المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر مدة (17) سبعة عشرة سنة كما تواصلت المقاومة المسلحة التي قادها الحاج أحمد باي بالشرق الجزائري ما يزيد عن (18) ثمانية عشرة عاما.

ولأسباب مختلفة وما حدث بين القادة من صراع مرير فشلت المقاومة المسلحة ولم تتمكن من تحقيق أهدافها المرجوة منها مما أدى إلى قيام ثورات شعبية وانتفاضات متوالية فلم تتوقف بل استمرت طيلة فترة الاحتلال من 1830 – 1962 وهي عبارة عن ثورات وانتفاضات مضادة وبأشكال مختلفة جاءت كرد فعل على السياسة الاستعمارية المنتهجة تجاه مطالب الشعب الجزائري ، وقد استمرت لمدة قرن وربع قرن من الوجود الفرنسي الغاشم.

2 – إحباط المخططات الاستعمارية والمحافظة على الهوية والشخصية الجزائرية:

من خلال هذه الحقبة الطويلة من الكفاح والنضال حاولت الإدارة الفرنسية الاستعمارية بالجزائر أن تفرض بعض الحلول الترقيعية المبتورة وذلك بشتى وسائل الإغراء أحيانا وتارة بالمناورات وغيرها من الأساليب المختلفة إلا أن الجزائريين رفضوا ذلك رفضا باتا، فلم ينخدعوا بتلك الوعود والشعارات التي كثيرا ما يطرحها المستعمر أمام الشعب، وعمل بجميع الوسائل لتجسيدها ميدانيا على أرض الواقع، إلا أن الشعب الجزائري كان له بالمرصاد، لكل مشروع أو مخطط يقدمه المحتل إلا ويقابل بالرفض وبتقديم مشروع مضاد للمشروع الاستعماري ولأجل إفشال مخططات الاستعمار استعمل الجزائريون عدة أساليب لمقاومتها وإفشالها من هذه الأساليب:

- المقاومة المسلحة في البداية، ثم عوضوها بالمقاومة السياسية وخاضوا من أجلها معارك سياسية ودينية وثقافية ورياضية كبيرة وبذلك حققوا انتصارات كبيرة في هذا المجال.

- المقاومة السلبية وتعني الرفض القاطع لكل مشروع استعماري بهدف القضاء على ثوابت الأمة الجزائرية ومقوماتها الأساسية كالإسلام واللغة العربية والقومية ولذلك (الجزائريون) يرفضون التقدم والحضارة على يد المستعمر، لأنه في نظرهم مرحلة من مراحل القضاء على الكيان القومي ومرحلة من مراحل الاندماج الكلي في الكيان الفرنسي، ولذلك قاطعوا تعليم اللغة الفرنسية، لأن المحتل له أهداف من وراء نشرها، منها:

-القضاء النهائي على اللغة العربية في عقر دارها، فكونوا لأنفسهم مساجد لإقامة الصلوات، وأنشأوا مدارس حرة لتعليم اللغة العربية والحفاظ على أصالتها، وكونوا فرقا رياضية وفنية، القصد منها المحافظة على الشخصية الجزائرية وقاوموا العادات السيئة وحاربوا التقاليد الداخلة على المجتمع الجزائري.

وقد حاول المستعمر غرسها في الأوساط الشعبية بأي طريقة كانت لكنه فشل فشلا ذريعا في تجسيدها ميدانيا وحول هذا الموضوع تحدث الكاتب والمؤرخ أحمد عطية الله في كتابه المعروف بــ (القاموس السياسي) الطبعة الثالثة عن المقاومة وقسمها إلى ثلاثة أشكال وهي:

- المقاومة الشعبية المسلحة المفتوحة.

- مقاومة مسلحة سرية.

- مقاومة سلبية وتتمثل في المقاطعة وعدم التعاون مع إدارة الاحتلال، من هذه المقارنة يتضح لنا أن المقاومة المسلحة استمرت ولم تنقطع من 1830 – 1916 ومن خلال هذه الفترة الطويلة من الاحتلال شهدت الجزائر ثورات وانتفاضات شعبية متواصلة منها:

ثورة المقراني والحداد 1871، وثورة الأوراس 1879، وثورة بوعمامة 1881، وثورة أولاد سلطان بنقاوس بالأوراس 1916 – 1918، وهي آخر ثورة تقوم ضد الاحتلال الفرنسي وضد قوانين التجنيد الإجباري، وتعتبر آخر ثورة مهدت الطريق نحو ثورة نوفمبر الخالدة 1954 – 1962.

3 – جرائم الإنسانية وسياسة المراوغة والخداع من قبل الاستعمار:

وهكذا يتضح للعيان أن تاريخ الجزائر المعاصر لم يخل في فترة من فترات الاحتلال من المقاومة المسلحة ولا من الانتفاضات الشعبية المتوالية، كما أنه لم يخل من النضال السياسي والديني والثقافي مما أربك الإدارة الاستعمارية الفرنسية وأفشل جميع مخططاتها الجهنمية مما جعلها تقوم:

بارتكاب جرائم وحشية في حق المواطنين العزل ، وتتجلى جرائمها الوحشية ضد الإنسانية في إحراق قرى ومداشر بأكملها ومن فيها من عباد وحيوان وزرع، وخير مثال على جرائمها المقترفة إحراق قرية العوفي في ضواحي بوفاريك بولاية البليدة، حيث احترقت القرية بكاملها وحولتها إلى رماد أسود، والاستيلاء على الأراضي الخصبة، والسطو على الممتلكات وتوزيعها على شذاذ الآفاق القادمين من مختلف أنحاء أوروبا، وسنت قوانين جائرة قصد الاعتداء والاضطهاد والاغتصاب، وتزوير الانتخابات المحلية وغيرها من الأساليب المناهضة، والهدف من هذا كله هو إضعاف الروح الوطنية لدى الجزائريين، كما شجعت الجنود الفرنسيين والغزاة على الاستيطان بالجزائر، وإلى جانب هذه الجرائم الوحشية، فقد قامت الإدارة الفرنسية الاستعمارية باستخدام وسائل الدعاية، وذلك ببذل المال والنياشين على من يقبل بالخيانة والتعاون مع العدو المحتل، وعرض المناصب والمراكز العالية ومنها ألقاب وغيرها من وسائل الدعاية والإغراء لتضليل الرأي العام على أنها جاءت لتمدين الجزائريين وترقيتهم إلى مصاف الشعوب الراقية، وتتجلى وسائل الإغراء بصفة خاصة أثناء احتفال بمرور قرن من الزمن على احتلالها للجزائر، وقد استغلت هذه الذكرى المشئومة فأصدرت بالمناسبة ما يسمى بالكتاب الذهبي للجزائر، تضمن بين طياته أسماء الأفراد والعائلات التي خانت الوطن، والتي تعاملت وتعاونت مع فرنسا ومع إدارة الاحتلال بطريقة أو بأخرى.

إلا أن النتيجة لم تكن كما كانت السياسة الفرنسية تتوقعها إذ تخلت بعض العناصر واستيقظت وتخلت عن العدو وانضمت إلى المقاومة الشعبية، والشيء الملاحظ هنا هو أن المقاومة المسلحة استمرت ولم تتوقف طيلة قرن وربع من الزمن، هذا إلى جانب النضال السياسي المتواصل على أكثر من صعيد.

4 – ظهور أحزاب سياسية تعمل من أجل إبراز ثوابت الأمة الجزائرية:

ففي سنة 1919 – 1954 برز إلى الوجود عدد من الزعماء السياسيين الذين رفعوا راية النضال السياسي دفاعا عن الجزائر، وتكونت أحزاب سياسية وطنية لعبت دورا بارزا في الدفاع عن القضية الجزائرية وطرحها أمام المحافل الدولية ومن الزعماء السياسيين الذين برزوا على مسرح السياسة:

- الأمير خالد (1919 - 1925) افتتح حملته السياسية بخوض معركة الانتخابات وعقد الاجتماعات وتقديمه مطالب ولوائح للمنظمات الدولية وإلى رؤساء حكومات، مطالبا بالاعتراف بالحقوق للشعب الجزائري في الحرية والسيادة إلى أن مطالبه انتهت إلى بنفيه إلى الخارج، وتلاه ظهور أحزاب وطنية سياسية وهيئات دينية وجمعيات ثقافية ورياضية وكان على رأس هذه الأحزاب.

- حزب نجم شمال إفريقيا بزعامة مصالي الحاج تأسس في 1926 بفرنسا من العمال المغاربة (تونس – الجزائر- المغرب) وكان شعاره الاستقلال لبلدان المغرب العربي.

- وفي 1931 تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والتي رفعت شعار: التصدي لمحاولات المسخ والطمس، وبعد تأسيسها بفترة قصيرة برز إلى الوجود: الحزب الشيوعي الجزائري ثم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وغيرها من الأحزاب فهذه الأحزاب وإن اختلفت مشاربها إلا أنها لعبت دورا هاما في طرح القضية الجزائرية على أكثر من صعيد ودافعت دفاع الأبطال عن ثوابت الأمة الجزائرية، وبذلت ما في وسعها للحفاظ على الشخصية الروحية والثقافية والتاريخية والوحدة الترابية.

5- تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتصديها لمحاولات الطمس و المسخ في 05 ماي 1931

بعد مضي خمس سنوات تقريبا على تأسيس حزب نجم شمالي إفريقيا بفرنسا بزعامة مصالي الحاج ، تأسست جمعية العلماء المسلمين ولتأسيسها أهمية بالغة في تاريخ النهضة الجزائرية الحديثة ، وفي تاريخ الإصلاح الديني بالجزائر، لذا يعتبر تأسيسها من أهم الانتصارات التي حققها الجزائريون في نضالهم الطويل ضد المستعمر الدخيل .

وقد تم تأسيسها رسميا في الخامس من ماي 1931 بنادي الترقي بالعاصمة الجزائرية ، جاء تأسيسها في الوقت الذي كانت تحتفل فيه فرنسا بمرور قرن على احتلالها للجزائر ، وهو احتفال ضخم من حيث العناية الفائقة وقد رصدت لهذا الاحتفال ميزانية خاصة به.

بالإضافة إلى حضور مكثف لرؤساء دول العالم .كما قامت باستعراض قوات عسكرية كبيرة أمام الضيوف، مما يدل أنها لا تحتفل بمرور قرن من الاحتلال فقط وإنما أيضا ، وحسب دعايتها بالقضاء على مقومات الشخصية الجزائرية، وعلى هذا الأساس فإن إنشاء جمعية المسلمين كان في الوقت المناسب حيث جاء تأسيسها ردا على المزاعم الفرنسية بأن عهد الإسلام انتهى في الجزائر ولم يعد له شأن يذكر وبأن اللغة العربية أقبرت نهائيا ولم يعد لها وجود في الجزائر إلى غير ذلك من الدعايات والأقاويل الباطلة التي أطلقتها أمام رؤساء العالم المشاركين في الاحتفالات الرسمية.

في هذا الوقت بالذات كانت الأمة الجزائرية تعيش على وقع حدث كبير في تاريخه، حيث قيض الله نخبة من العلماء الأفاضل والمصلحين الكبار ، فاجتمعوا في نادي الترقي بالعاصمة الجزائرية وأعلنوا على رؤوس الملأ عن تأسيس جمعية العلماء المسلمين في الوقت المناسب وقرروا إسناد رئاستها إلى رائد النهضة الجزائرية الحديثة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله وطيب ثراه- الذي لعب دورا بارزا في تجسيد مبادئ جمعية العلماء وأهدافها كما لعب دورا رائدا في إيقاظ وبعث الأمة الجزائرية من جديد.

ويرى الكثير من المؤرخين المعاصرين أن فكرة تأسيس جمعية العلماء تعود إلى سنة 1913 حيث التقى الإمام عبد الحميد بن باديس بالعلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الحجاز ( الأراضي المقدسة) وهناك تمت بين الشيخين مناقشة فكرة موضوع إنشاء تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للم شمل العلماء ورجال الدين والمصلحين في هيئة موحدة وذلك للعمل والدفاع عن العروبة والإسلام في ربوع الجزائر العميقة .

ولتحقيق المشروع المنتظر تحقيقه أسس الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- عددا من الصحف والجرائد والمجلات كتمهيد لتأسيس جمعية دينية وسياسية وثقافية تضم العلماء المسلمين ورجال الدين والمصلحين على اختلاف مشاربهم خدمة ودفاعا عن ثوابت الأمة الجزائرية المهددة بالزوال والاندثار .

فاتخذ ابن باديس من الجرائد والمجلات التي يشرف عليها تحريريا وماليا منبرا للدفاع عن مقومات الشخصية الجزائرية ، ومن بين الجرائد التي أسسها جريدة المنتقد والشهاب سنة 1925 وجريدة السنة والصراط سنة 1930 والذكرى سنة 1933، وأخيرا جريدة البصائر الغراء سنة 1935، بالإضافة إلى ما كان يقدمه من دروس للطلبة والكهول والشيوخ.

بهذا الأسلوب الحكيم تمكن مع مجموعة من العلماء الأفاضل ورجال الدين الأبرار من تأسيس جمعية العلماء في الخامس 05 ماي 1931.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:56 pm

و يعتبر تأسيسها من أهم الأحداث التي عاشتها الجزائر في النصف الأول من القرن العشرين الماضي وكان من أهدافها الرئيسية:

1- الدفاع عن الإسلام باعتباره الدين الخالد الذي يجب تطهيره من الشوائب العالقة به كالشعوذة والتدجيل والخرافات ومحاربة التنصير وغيرها من الشوائب التي ألصقت به مما يمثل خطرا ماحقا يهدد المجتمع الجزائري بالدمار والزوال في ذلك العهد ، وقد جندت فرنسا لهذا الغرض الشائن جيشا جرارا من رجال الدين المسيحيين كالقساوسة والرهبان، وعملاء الاستعمار للقيام بعملية التنصير على نطاق واسع بدءا بمنطقة القبائل الكبرى والصحراء ، فأوفدت لهذا الغرض عددا كبيرا من المبشرين المسيحيين لتنصير أبناء الجزائر ، أمثال جول فيري والكاردينال لا فيجري وسان طانو وغيرهم، غلاة الكنيسة المسيحية لتنفيذ وتطبيق أوامر وتعليمات الكنيسة المسيحية الخاصة بالتبشير والتنصير . وكان للكاردينال لافيجري دورا نشائيا في هذا المجال حيث كون فرق من الآباء البيض متبوعة بفرق ما يسمى بالأخوات وذلك للقيام بعملية التبشير والتنصير ونشرها على نطاق واسع .والهدف من وراء كل هذا هو محاولة القضاء على الإسلام الخالد في ربوع الجزائر العربية المسلمة وهذا ما تفطنت له جمعية العلماء المسلمين من أن هناك حملة استعمارية شرسة القصد منها القضاء على الإسلام واللغة العربية وغيرها من ثوابت الأمة الجزائرية.

6- ثبوت اللغة العربية بصمود رجالها:

لقد تفطنت جمعية العلماء للمؤامرات الاستعمارية الرامية إلى القضاء على اللغة العربية وطمس معالم الإسلام وتعويضها باللغة الفرنسية والديانات المسيحية ( لا قدر الله) وتأكدت من المغول المسيحي الصليبي الزاحف، لا يمكن توقيفه إلى باتخاذ إجراءات فعالة وملموسة للحد من زحفه وخطره الداهم.وهذا ما جعل رائد النهضة الجزائرية الحديثة الإمام عبد الحميد ابن باديس يطلق صرخته المشهورة قائلا:

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب

إلى آخر القصيدة المعروفة ، ولم يكتف الإمام ابن باديس بهذا فقط بل تصدى لتلك الحملات الشرسة بالقلم واللسان وعن طريق الجرائد ومجلة الشهاب التي كان يشرف عليها ويسيرها بأمواله الخاصة كجريدة المنتقد والسنة والشريعة والبصائر وغيرها من وسائل الرد والتصدي للمخططات الاستعمارية الفرنسية بالجزائر التي تهدف فيما تهدف إليه ألا وهو القضاء على الإسلام الحنيف واللغة العربية في هذه الديار.

ولاشك أن مواقفه الثابتة وتصديه لمحاولات الاستعمار الغاشم ستبقى خالدة في جبين الدهر .

لقد صمد في وجه محاولات المسخ والتشويه ، واستطاع بكفاحه ونضاله أن يدخل التاريخ من بابه الواسع ، مما جعل من اسمه أسطورة من أساطير؟؟؟

التاريخ الحديث تروى على مر الأجيال، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن للجزائر أمة وشعبا أن تنسى الدور الذي لعبه في حياة وإنقاذ الأمة الجزائرية من الظلال والزوال، فرحم الله ابن باديس العظيم الذي ضحى بحياته وبزهرة شبابه خدمة للعروبة والإسلام في ربوع الجزائر العميقة.

ثانيا: من أهداف جمعية العلماء المسلمين الدفاع عن اللغة العربية لغة الوحي والقرآن، وهي اللغة القومية للشعب الجزائري العربي المسلم، لقد حاربتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية في عقر دارها، فشنت عليها حربا، وفرضت على معلميها حصارا شديدا ورقابة مستمرة، وأكثر من هذا أنها قضت على جل معالمها الحضارية، مما جعلها (العربية) غريبة في ديارها، بعيدة كل البعد عن مقاصدها وأهدافها، وحل محلها خليط لغوي مزدوج متركب من عدة لهجات محلية، ومن بعض المقاطع الساقطة من اللغة الفرنسية العامية، مما جعل اللسان الجزائري يعجز عن التكلم بلغة واضحة، الشيء الذي جعله يلجأ إلى الازدواجية اللغوية الغامضة لا هي عربية سليمة ولا هي لغة فرنسية واضحة وإلى الآن لا يزال يعاني من مشكلة اللغة ولا يزال لسانه يتلعثم، مما يعني أن تعليم اللغة العربية (القومية) في الجزائر واحدة من المشاكل المطروحة على الساحة الوطنية، فهي في حاجة إلى علاج ناجع وشجاع، والأكيد أن المتسبب في هذا كله يعود بالدرجة الأولى إلى السياسة الاستعمارية المتبعة في الجزائر إبان فترة الاحتلال، وبعد الاستقلال الوطني وخروج فرنسا من الجزائر سنة 1962 تركت وراءها تركة ثقيلة ولا تزال آثار هذا الخليط اللغوي المزدوج قائمة إلى الآن، ولا يزال الفرد الجزائري يعاني من مشكلة اللغة.

لقد حاربت فرنسا الاستعمارية اللغة العربية، وفرضت قيودا مجحفة على معلميها ومدرسيها، واعتبرت تعليمها للنشء الصاعد خطرا ماحقا على لغتها ومصالحها الحيوية في الجزائر، وهذا ما جعلها تطبق ما يعرف في عرف السياسة بالثالوث الأسود (الفقر – الجهل - المرض) على الشعب الجزائري طيلة فترة الاحتلال.

ونظرا لما آلت إليه اللغة العربية وما تعرضت له من محاولات القضاء عليها في عقر دارها تصدت لها جمعية العلماء المسلمين للرد على فرنسا، وذلك ببناء وتشييد عدد كبير من المعاهد المدارس يفوق عددها 280 مؤسسة مدرسية موزعة على كامل التراب الوطني مما يمكن اعتبارها من أهم المنجزات العلمية والثقافية التي حققتها جمعية العلماء في تاريخها المجيد.

***

دور المعهد الرائد وأثر الصحافة:

بالإضافة إلى ما تم إنجازه من المؤسسات الثقافية المذكورة، فقد قامت جمعية العلماء بمبادرة أخرى لا تقل أهمية عن المبادرات التي حققتها في مختلف الميادين الدينية والثقافية، حيث قامت بتأسيس المعهد الباديسي بقسنطينة سنة 1948 ويعتبر بحق من أهم المنجزات الثقافية على المستوى الوطني، والهدف الأسمى من تأسيسه هو الدفاع عن اللغة العربية وإحيائها، واسترجاع مكانتها التاريخية المسلوبة من طرف إدارة الاحتلال الفرنسي في الجزائر. وقد لعب المعهد الباديسي دورا رائدا في ميدان التربية والتعليم, فإليه يعود الفضل الكبير في توجيه وإرسال بعثات طلابية علمية إلى تونس والمغرب وإلى بلدان الشرق العربي مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلاد العربية طلبا للعلم والمعرفة , بالإضافة إلى تأسيس جريدة البصائر الغراء, في سنة 1935 وكان شعارها الثالوث المقدس:" الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا".

وقد كان لصدور جريدة البصائر في تلك الفترة الحالكة السواد أثرا كبيرا في نفوس الجزائريين واعتبروها كسلاح ذو حدين في وجه محاولات الاستعمار الرامية إلى القضاء على اللغة العربية، وبصدورها تم القضاء على الفراغ الثقافي المهول الذي كان سائدا آنذاك.

وبذلك يمكن القول أنه بصدورها وإبرازها للوجود كجريدة رائدة انتعشت الثقافة العربية بالجزائر والفضل في إحيائها يعود بالدرجة الأولى إلى الدور الذي لعبه رائد النهضة الجزائرية الحديثة: الإمام عبد الحميد بن باديس وإلى نخبة من العلماء الأفاضل ورجال الدين وبعض الزوايا وغيرهم فجميعهم ناضل وجاهد جهاد الأبطال لإحياء الإسلام واللغة العربية.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا العدد أنه بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين ازدهر الإسلام الخالد ازدهارا ملحوظا، ويتجلى ذلك في تشييد المآت من بيوت الله عبر التراب الوطني, كما شهدت اللغة العربية قفزة نوعية مما جعل معالمها تتضح أكثر فأكثر من أي وقت مضى , واستعادت مكانتها المرموقة , ولا غرو إذا قلنا أن الفضل في ذلك يعود إلى ابن باديس ومن معه من العلماء ورجال الدين، فجميعهم أدى ما عليه من الواجب المقدس تجاه أمتهم ووطنهم ودافعوا عن الإسلام الحنيف وعن اللغة العربية وتحريرها من الألفاظ اللاقطة والساقطة.

كما أن للمعهد الباديسي دورا طلائعيا في هذا المجال، حيث لعب شيوخه وأستاذته دورا بارزا في إحياء وبعث روح الإسلام, كما لعبوا دورا في إحياء لغة الضاد وبجهودهم المعتبرة أصبحت العربية هي لغة التدريس بالمعهد وفي جميع مدارس جمعية العلماء بدلا من الدراسة باللغة الأجنبية.

8- جمعية العلماء تواصل رسالتها بشموخ وتضحية وفداء من 1931 إلى يومنا هذا:

مما لاشك فيه أن لجمعية العلماء رسالة مقدسة تعمل جاهدة لتبليغها للأجيال الصاعدة من أبناء الأمة الجزائرية، فمنذ إنشائها وهي تحاول أن تفي بوعودها المنوطة بعهدتها وخاصة ما يتعلق بالدفاع عن الوطن المفدى (الجزائر) وهذا ما يلاحظ من خلال مواقفها البطولية من الاستعمار وأذنابه, فقد قاومت السياسة الاستعمارية بكل شموخ وتضحية وفداء، فلم تتوان لحظة في الرد على إدارة الاحتلال الفرنسي وعلى سياسته المطبقة في الجزائر, ومن بين المواقف الحاسمة التي لا ينساها التاريخ لها, أنها أول من قام بالرد الحاسم على المقولة الفرنسية الشهيرة:" الجزائر قطعة من فرنسا وجزء لا يتجزأ من كيانها وترابها" وغيرها من الشعارا ت الاستفزازية التي أطلقتها الإدارة الاستعمارية.

ونظرا لما تحمله من استفزاز وذل وإهانة للجزائريين تصدت لها جمعية العلماء برئاسة الإمام عبد الحميد بن باديس بالرد على الدعاية الاستعمارية المقيتة، فقد كان ابن باديس يكتب في مجلة الشهاب مواضيع نارية للرد على الدعاية الفرنسية وعلى دعاة الجزائر الفرنسية , كما شن هجوما على دعاة الاندماج فرفع صوته مجلجلا في سماء الجزائر قائلا:

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب

كما رفع صوته عاليا مخاطبا النشء الجديد وما ينتظر منه مستقبلا في بناء الجزائر الجديدة، لأنه كان يؤمن إيمانا قاطعا من أن بناء الجزائر ومستقبلها يتوقف بالدرجة الأولى على الشباب: فالشباب هو روح الأمة ومستقبلها, فبالشباب تنهض الأمم وتجدد بناء مستقبلها المنتظر.

بهذه النظرة للمستقبل الواعد خاطب أبو النهضة الجزائرية الحديثة الشباب الصاعد بقوله :

يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب

خذ للحياة سلاحها وخض الخطوب ولا تهب

إلى غير ذلك من المواضيع الخالدة التي تناولها ابن باديس -رحمة الله عليه- فلقد ترك وراءه تراثا كبيرا لا يحصى ولا يعد, ولهذا من الصعب جدا حصر تراثه وما تركه من ورائه في صفحات بل يحتاج إلى مجلدات ضخمة لتدوينه.

وبعد وفاة الإمام ابن باديس في 16 أفريل 1940 , واصلت جمعية العلماء رسالتها المنوطة بعهدتها برئاسة العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي 1940-1953 ويعتبر الشيخ الإبراهيمي من أكبر علماء الجزائر في العصر الحديث، فقد كان آية في البلاغة والبيان، وخطيبا بارعا، وكاتبا ماهرا، فأطلق عليه أمير البيان , فقد دافع بقلمه ولسانه عن العروبة والإسلام, كما دافع دفاع الأبطال عن قضية فلسطين السليبة، وقضايا العالم العربي والإسلامي، وعاش ظروف الحرب العالمية الثانية وتطوراتها، وحوادث 08 ماي 1945 مما حفزه على الكتابة وخير مثال على مدى اهتمامه بالكتابة ما كتبه عن حوادث 08 ماي 1945 وغيرها من المواضيع الحساسة التي تناولها بقلمه ولسانه , وله مواقف مشرفة تجاه القضايا العربية والإسلامية، وبعد سنة 1953 تولى المرحوم الشهيد الشيخ العربي التبسي رئاسة جمعية العلماء من 1954 –1957وقد تم اختطافه من طرف المنظمة الإرهابية الفرنسية في 1957على ما أعتقد وقد تم خطفه من حي بلكور بالعاصمة، وتم اغتياله في ظروف غامضة من طرف المنظمة السرية الإرهابية الفرنسية، ولا يزال مكان اغتياله مجهولا إلى اليوم.

وبعد الاستقلال والتحرر من الظلم والطغيان والتخلص من الاحتلال انبعثت جمعية العلماء من جديد واسترجعت مكانتها برئاسة الشيخ عبد الرحمن شيبان حفظه الله وأدام حياته تولى رئاسته من 62 إلى يومنا هذا , وبإحيائها من جديد كجمعية رائدة تمكنت في زمن قياسي من إعادة بنائها وبعض نشاطها المتوقف خلال الثورة التحريرية واستطاعت أن تعيد لم شمل العلماء ورجال الدين في بوتقة واحدة خدمة لأهدافها المسطرة ولمبادئها السامية منذ عام 1931 والعمل على تطبيقها على أرض الواقع.

ولو أن الجزائر لا زالت تئن وتعاني من مخلفات الاستعمار البائد وخاصة في ميادين العقيدة والثقافة والمشاكل الاجتماعية وغيرها من المشاكل الموروثة عن العهد الاستعماري.

إلا أن جمعية العلماء آلت على نفسها أن تواصل رسالتها الخالدة والمتمثلة أساسا في الدفاع عن الإسلام والعمل الجاد على إحياء لغة الضاد (العربية) وتحرير الفرد الجزائري من مخلفات العهد البائد، والعمل على تحرير العقول من الأفكار الهدامة ومواصلة العمل على إحياء وبعث دعائم الحضارة الإسلامية في ربوع الجزائر.

وفي نفس الوقت تعمل جاهدة على تطبيق ما كان ينادي به الإمام عبد الحميد ابن باديس في حياته العملية، كتطهير الإسلام من الخلافات والشعوذة ومحاربة الطرقية والمطالبة بإصلاحات جذرية لتطهير المجتمع الجزائري من الأفكار الهدامة التي ما فتئت بالانهيار والزوال.

9- تأسيس جريدة البصائر ودورها الرائد في إحياء التراث الوطني والثقافي:

من بين الإنجازات الهامة الكبرى التي أنجزتها وحققتها جمعية العلماء المسلمين، في بداية مشوارها تأسيس جريدة البصائر الغراء سنة 1935وكان شعارها المقدسSadالإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا).

وتعتبر جريدة البصائر من أهم الجرائد في الجزائر في ذلك العهد من حيث الكتابة والمواضيع الهامة التي كانت تتناولها بالتحليل والتعليق، وأهميتها تعود بالدرجة الأولى إلى الطاقم المشرف عليها وعلى تحريرها زيادة على طبعها وإخراجها في شكل أنيق وجميل، وقد استمرت في الصدور من عام 1935 إلى عام 1956، حيث أوقفتها سلطات الاحتلال الفرنسي عن الصدور إبان قيام ثورة التحرير الوطنية الكبرى 54-62. وبعد الاستقلال والتحرر من الهيمنة الاستعمارية يوم 05 جويلية 1962 أعادت إلى الصدور من جديد، مع الملاحظة أنها توقفت لبعض الوقت لأسباب مجهولة فلا ربما توقفت لأسباب مادية بحتة أو غيرها من الأسباب الأخرى، ثم عادت إلى الصدور من جديد وفي ثوب جميل وها هي الآن تعود إلى الميدان للعمل على مواصلة أداء رسالتها المنوطة بها، كجريدة متميزة بطابعها الخاص وبشعارها الخالد.

وفي عهد الاحتلال الفرنسي تعرضت جريدة البصائر لضغوطات واستفزازات متتالية من طرف إدارة الاحتلال، وحاولت أكثر من مرة توقيفها والحد من نشاطها الديني والثقافي والسياسي المتعاظم، مما يدل على أنها كانت في المستوى المطلوب وفي المستوى من حيث المحتوى والمضمون.

وبعد وفاة الإمام عبد الحميد ابن باديس في 16 أفريل1940 وبعد مجازر 8 ماي1945 التي وقعت كما هو معروف بكل من قالمة وسطيف وخراطة وغيرها من جهات الوطن. تعرضت جمعية العلماء إلى مضايقات وضغوطات استعمارية انتهت بسجن عدد من علمائها ورجالها الميامين وكان في مقدمتهم العالم الجليل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشيخ الطيب العقبي وغيرهما من العلماء الأفاضل الذين ألقي عليهم القبض وزج بهم في سجون الاستعمار الفرنسي بالجزائر، وبعدما أنهوا مدة السجن أطلقوا سراحهم.

من هذه العجالة يتضح لنا أن جمعية العلماء تعرضت لضغوطات واستفزازات من طرف إدارة الاحتلال وحاولت بجميع الوسائل للقضاء على كيانها ومؤسساتها، لأنها حسب سياسة الاستعمار الاستيطاني، فإن جمعية العلماء تمثل خطرا على سياسته وتهديدا لمعالجة الحيوية المتواجدة في المنطقة ، ولذا لابد من محاربتها وإذا اقتضى الأمر ، لا بد من استئصالها من الوجود.

10- دور جمعية العلماء على المستويين الداخلي والخارجي في عهد الاحتلال آنذاك:

مما لا جدال فيه، أن من يعود إلى جريدة البصائر الغراء في عهد الاحتلال الفرنسي وإلى مضامينها وما كانت تنشره بين صفحاتها من مختلف المواضيع ، فإنه يجدها أنها فعلا في المستوى المطلوب. مما يدل دلالة واضحة أن لجمعية العلماء المسلمين مواقف مشرفة تجاه عديد من القضايا العربية، الإسلامية والدولية. وخاصة القضايا العربية التي أخذت حيزا كبيرا من الكاتبات والتحاليل. ولعل ما كتب عن قضية فلسطين الجريحة وقضايا تونس والمغرب وسوريا ولبنان إلى جانب الحديث عن القضايا الإسلامية، كقضية باكستان وإندونيسيا وغيرها من القضايا التي تناولتها وتطرقت إليها جريدة البصائر بالكتابة والتعليق عليها، لخير شاهد على ما قدمته جمعية العلماء من جلائل الأعمال خدمة للقضايا العربية والإسلامية المطروحة على الساحة السياسية آنذاك.

ولعل ما كتبه ابن باديس والبشير الإبراهيمي عن قضية فلسطين يغنينا عن كل تعليق، مما يدل على مدى اهتمام علماء الجزائر ومفكريها ومؤرخيها بالقضايا العربية والدولية مع أن الجزائر كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الغاشم إلا أن ذلك لم يمنع عظماء جمعية العلماء من الكتابة والتعبير عن تضامنها اللا مشروط تجاه القضايا العربية منها والعالمية على حد سواء.

كما حظيت بعض القضايا الدولية بالكاتبة والتعليق عليها من قبل العلماء والكتاب الجزائريين أمثال: الشيخ أحمد توفيق المدني المعروف باسم (أبو أحمد) الذي كان يكتب أسبوعيا في البصائر على ما اعتقد تحت عنوان Sad منبر السياسة العلمية والقضايا الدولية) وأغلب مواضيعه وكتاباته كانت تتناول بالتحليل بعض القضايا الدولية كقضية الهند الصينية وقضايا تونس والمغرب وغيرهم من القضايا التي كان يتناولها بالتحليل والتعليق أسبوعيا.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق ، هو أنه بالرغم من صغر سني آنذاك ، كنت شغوفا بقراءة ما يكتبه أسبوعيا في جريدة البصائر، فكان والدي -رحمه الله- يقتنيها ويطالعها باستمرار مما مكنني من قراءتها معه من حين إلى آخر، ومن بين المواضيع التي لازلت أذكرها هو ما كتبه في البصائر إن لم تخن ذاكرتي حوالي 1952 أو 1953 لم أتأكد من السنة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الخميس نوفمبر 29, 2007 12:01 am

دور رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في حشد دعم المشرق العربي للثورة التحريرية بقلم عرعار كريم

كتاب مصور
http://www.binbadis.net/Dirasat/these.pdf





منهاج جمعية العلماء في الإصلاح والثورة



الشيخ عبد الرحمن شيبان


رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين / عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي / وزير سابق


إن خير ما أحدثكم به في هذه السانحة، بمناسبة "يوم العلم" الذي يرتبط الاحتفاءُ به باسم أعظم عالِم جزائري، مَثَّل الجزائر أجَلَّ تمثيل وأجْمَلَهُ في القرن العشرين، أَعني الإمامَ عبد الحميد بن باديس، مؤسس ورئيسَ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، عليه وعلى رفقائه الراحلين رحمة الله تعالى ورضوانُه - هو التذكير بتاريخ جمعية العلماء ومبادئها التي قامت عليها حركتُها الإصلاحية التغييرية الشاملة فأقول بعون الله تعالى:

أولا - نشأة الجمعية:

إن جمعية العلماء الـميمونة التي هي أقدم جمعية وطنية دينية علمية في الجزائر، تأسست في 17 ذي الحجة 1349هـ 05 ماي 1931م، في إطار معجزَتَيْنِ اثنتَين؛ قرآنية ونبوية:

فالـمعجزة القرآنية تتمثل في قول الله تعالى في الآية 11 من سورة الرعد، القاضية بأن التغيير سنة كونية، يتحقق، سموًّا وانحطاطًا بحسَب إرادة البشر والتي نصُّها:}إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ{.

أما المعجزة النبوية فهي: أن تأسيس الجمعية تَزَامَنَ مع مرور مائةِ سنةٍ على الاحتلال الفرنسي للجزائر، وقد اطمأن إلى نجاحه الـمطلَق في تحويل الجزائر إلى أرض فرنسية: ترابا، ودينا، ولسانا. فإذا الجمعية تبرز إثر ذلك مباشرةً رافعة شعارًا يَدْحَضُ مزاعمَ الاستعمار وهو:« الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا» وَفْقًا لحديث سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم– فيما رواه الأئمة أبو داودَ، والحاكمُ، والبيهقي- عليهم رحمةُ الله جميعًا- عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال:« إن الله يبعَثُ لهذه الأمة على رأْس كلِّ مائةِ سنةٍ مَن يجدِّدُ لها دينَها».

ثانيا - مبادئها:

إن انطلاق جمعية العلماء في حركتها للنهوض بالجزائر نَحوَ ما تطمَحُ إليه من حرية وسيادة وازدهار، إنما يستند إِلى الإسلام الصحيح: عقيدةً، وشريعةً، وآدابا، وحضارة، يقولُ الشيخ مبارك الميلي:« من حاول إصلاح أمة إسلامية بغير دينها فقد عرَّض وحدتها للانحلال، وجسمَها للتلاشي، وصار هادما لعرشها بنية تشييدها». وذلك أسوة بالنهضة الإسلامية الأولى التي قامت أركانُها على العلم، والإيمان، والعمل، وَفْقًا لـما جاء في الآيات الخمس الأولى من سورة العلَق:}اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{.

ثالثا- النهج الـمعتمد:

أما المنهج الـمعتمد في أعمالها إنما يقوم على عناصر ثلاثة:

الفهم الصحيح للإسلام، أحكامًا وحِكَمًا، وَفْقًا للآية 108 من سورة يوسف:}قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِن الْمُشْرِكِينَ{.

التبليغ الحكيم للدعوة، وَفقا للآية 125 من سورة النحل:}ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ{.

ولأهمية هذين العُنصرَيْن جَعَلَهما ابنُ باديس في أعلى الصفحة الأولى من مجلة "الشهاب".

التسامح في الدعوة والحوار، مع الـموافق والـمخالف، ويَتَمَثَّل هذا فيما قالَهُ الإمامُ ابنُ باديس في أول اجتماع له بأعضاء المجلس الإداري للجمعية، إثر انتخابه رئيسا وهو غائب:

« إخواني؛ إنني ما كنتُ أعُدُّ نفسي أهلاً للرياسة لو كنتُ حاضرًا يوم الاجتماع الأول، فكيفَ تخطُر لي بالبال وأنا غائب؟! لكنكم بتواضعكم، وسلامة صدوركم، وسمو أنظاركم، جئتم بخلاف اعتقادي في الأمريْنِ فانتخبتموني للرياسة وأنا غائب ».

« إخواني؛ إنني كنتُ أَعُدُّ نفسي مِلْكًا للجزائر، أما اليوم فقد زدتم في عُنقي مِلْكِيةً أخرى؛ فاللهَ أسألُ أن يُقْدرني على القيام بالحق الواجب».

« إخواني؛ إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي، وإنما أَردتم أن تُشيرواْ بانتخابي إلى وَصْفَين عُرِفَ بهما أخوكم الضعيفُ هذا: الأول أنني قَصَّرْتُ وقتي على التعليم، فلا شُغلَ لي سواه، فأردتم أن تَرمزواْ بانتخابي إلى تكريم التعليم، إظهارا لـمقْصَدٍ من أعظَمِ مقاصِدِ الجمعية، وحثًّا لجميع الأعضاء على العناية به كلٌّ بجهده، الثاني، أَنَّ هذا العبدَ له فكرةٌ معروفةٌ، وهو لن يَحيدَ عنها ولكنه يُبلِّغها بالتي هي أحْسن؛ فَمن قَبلها فهو أخٌ في الله، ومن ردَّهَا فهو أخٌ في الله؛ فالأخوة في الله فوقَ ما يُقبَلُ وما يُرد، فأردتم أن ترمزواْ بانتخابي إلى هذا الأصل: وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يَمَسُّ روحَ الأخوة في الأمر العام. فماذا تقولون أيها الإخوان؟»

« فأجابوا كلهم بالوفاق والاستحسان.»

رابعا- المعاصرة :

تَحرِصُ جمعيةُ العلماء في دعوتها على أن يُسَايِرَ الشعبُ في حركته اليومية الدائبةُ مُقتضَيَاتِ عَصْرِهِ، ليعيشَ بالإسلام وللإسلام؛ لأن الإسلام شريعةٌ صالحة لكل زمان ومكان، يمثل ذلك أبلغ تمثيل وصَايَا الشيخ ابنِ باديس للمسلم الجزائري إذا رعاها عرَفَ كيف يعيش مقتضياتِ عصره بثقة واعتدال.

فقد جاء في "الشهاب" في شهر صفر 1345هـ الموافق لأوت 1926م تحت عنوان: (أيها لمسلم الجزائري):

« حَافِظْ على حياتك، ولا حياةَ لك إلا بحياة قومك، وَوَطَنِك، ودينِك، ولُغتِك، وجميع عاداتك؛ وإذا أردت الحياةَ لهذا كله، فكن ابنَ وَقْتِك، تَسيرُ مع العصر الذي أَنت فيه بما يُناسِبُهُ من أَسباب الحياة، وطُرق الـمعاشَرة والتعامُل؛ كن عصريًّا في فكرك، وفي عمَلِك، وفي تجارتك، وفي صناعتك، وفي فلاحتِك وفي تَمدُّنِكَ ورُقيّكَ ».

خامسا- الـمثل العليا:

وقد ركزت الجمعيةُ اهتمامَها على تربية الأجيال على حب الـمُثُلِ العُلْيَا، وتَمَثُّلِها في السلوك والأعمال، حتى تسودَ الفضيلةُ والتعاونُ والعدلُ جميعَ المجالات، فيتحقَّقَ الاستقرارُ والازدهار؛ فقد جاء في الوصايا السابقة للإمام ابن باديس رحمه الله قولُه:« كن صادقا في معاملتك بقولك وفعلك، احْذَرْ من الخيانة! الخيانة الماديةِ في النفوس، والأعراض، والأموال؛ والخيانة الأدبية ببيع الذمة، والشرف، والضمير».

سادسا- الإصلاح والـمرأة:

كانت الـمرأة قبل الإصلاح طاقة مُعطَّلةً، باسم الدين، مكبلة بقيود الجهالة والأمية، فأَوْلَت الجمعيةُ اهتمامًا عظيمًا لتحتَلَّ مكانتَها في المجتمع، إلى جانب أخيها الرجل؛ ففي زيارة للشيخ ابن باديس إلى بجاية عام 1938 بمناسبة الاحتفال بذكرى الـمولد النبوي الشريف، في حفْلٍ مدرسيٍّ أقامته مدرسةُ الحياة بإدارة تلاميذه، الإخوة الأشقاء الثلاثة آل شنتير: محمد أمقران، ومحمد الطاهر، وعلي، رحمهم الله جميعا، ألقَى الشيخُ ابنُ باديسَ خطابًا توجيهيًّا عامرًا، حضَرَهُ جمع غفيرٌ من النساء والفتيات، بقي منه في ذاكرتي قولُه في وجوب اشتراك الـمرأة الجزائرية في النهضة الوطنية:« إن المجتمع كالطائر، لا يطير إلا بجناحين، والمجتمع لا يَنهَضُ إلا بالـجِنسَيْن: الرجل والمرأة ». وفي السنة نفسها قام الشيخ بمراسلة مديرة ثانوية خاصة بالبنات في دمشق، تابعة لجمعية "دوحة الأدب" التي كانت تُشرِفُ على إدارتها السيدة "عادلة بَيْهم الجزائري"، حفيدةُ الأمير عبد القادر –عليهما رحمة الله- أَبدَى رغبتَه في إرسال فوج من الطالبات اللواتي أكملن دراستهن الابتدائية بمدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، فتَلَقَّى الإجابةَ بالقبول، وبدأَت الاستعدادات لإرسال البعثة التي كانت تضُمُّ عَشْرَ طالبات، من بينهن السيدةُ حَرَم الشيخ عبد الرحمن شيبان، وشقيقتان للسيدة زهور ونيسي، لكن بوادر الحرب العالـمية الثانية حالت دون تحقيق هذه الرغبة، لأن ابن باديس خشي أن تُقْطَعَ السبلُ بَيْنَ الجزائر وسوريا فتنقطع البنات عن أهلهن، وبعد عام من قيام الحرب توفي ابن باديس- رحمه الله- وتوفي معه المشروع.

سابعا: الإخلاص في العمل:

ولعل العنصر الأكثر تأثيرًا في نجاح جمعية العلماء في دعوتها والنهوض بالشعب نحو الكمال، إنما هو إخلاص علمائها العاملين في دعوتهم وأعمالهم، عملا بقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم –عليهما رحمة الله- واللفظ لـمسلم عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قال:"سمعت رسول الله يقول:" إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

وهو ما جسمه الإمام ابن باديس –رحمه الله- في حياته العملية، وعبر عنه في خطابه الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال العظيم الذي حضرته وفود وافدة من كل أرجاء الجزائر المقام بقسنطينة سنة 1357هـ -1938م احتفاء بختمه تفسير القرآن الكريم –تدريسًا-، وذلك في معرض ذكر من كان لهم الفضل عليه في تكوينه العلمي والعملي، وهم: والده، ومشايخه، وإخوانه العلماء، ثم الأمة التي قال في شأنها:"ثم الفضل لهذه الأمة الكريمة المعوانة على الخير، المنطوية على أصول الكمال، ذات النسبِ العريق في الفضائل، والحسب الطويل العريض في المحامد".

"هذه الأمة التي ما عمِلْتُ يومًا –عَلم الله- لإرضائها لذاتها، وإنما عملت، وما أزال أعمل، لإرضاء الله بخدمة دينها ولغتها؛ ولكن الله سدَّدها في الفهم، وأرشدها إلى صواب الرأي، فتبينت قصدي على وجهه، وأعمالي على حقيقتها، فأعانت، ونشطت، بأقوالها، وأموالها، وبفلذات أكبادها؛ فكان لها بذلك كله من الفضل في تكويني العملي أضعاف ما كان لتلك العناصر في تكويني العلمي". "ثم الفضل، أولا وأخيرًا، لله، ولكتابه الذي هدانا لفهمه، والتفقه في أسراره، والتأدب بآدابه.

وإنّ القرآن الذي كوَّنَ رجالَ السَّلف، لا يكثُرُ عليه أن يُكَوِّن رجالاً في الخَلف، لو أُحْسنَ فهمُهُ وتدبُّرُه، وحُمِلتْ الأنفُسُ على منهاجه".

ثامنا: الجمعية والثورة

أما الثورة فموقف الجمعية منها يتمثل في الخطة التي رسمها الإمام ابن باديس –رحمه الله- في نشيده الخالد (شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب) الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة 1937، حيث دعا فيه الشعب كله إلى التجند في الكفاح الـمسلح لكسر أغلاله، وذلك للقضاء على الاستعماريين الظالمين من ناحية أولى، واقتلاع جذور الجزائريين الخائنين عملاء الاستعمار من ناحية ثانية، وإيقاظ نفوس الغافلين من ناحية ثالثة، كما يتضح من هذه الأبيات:

يا نشءُ أنتَ رجاؤُنا

وبكَ الصباحَ قد اقتربْ

خذْ للحياةِ سلاحها

وخض الخطوبَ ولا تهبْ

وأذقْ نفوسَ الظالـمــيــ

ــــنَ السمَّ يُمزجُ بالرهبْ

واقلعْ جذورَ الخائنيـــ

ـــــنَ فمنهم كل العطبْ

واهززْ نفوسَ الجامديــــــ

ــــــنَ فربما حيي الخشبْ

هذا نظامُ حياتنا

بالنور خط وباللهبْ

هذا لكم عهدي به

حتى أُوَسدَ في التربْ

فإذا هلكتُ فصيحتي:

تحيا الجزائرُ والعربْ

هذا؛ ولا أَحسَبُنِي من الـمتفاخرين بمجد الآباء والأجداد، ولا من أَدْعِيَاء العِلْمِ بالغَيْبِ إِذا قُلتُ: إن جمعية العلماء كانت للجزائر في عهْد الاستعمار الـمظلم الطويل، - متعاونةً مع الطاقات الوطنية الثورية - هدايةً، وإصلاحًا، وثورةً، فانتصارًا؛ فلو أنها، بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي، الـمشهود له بالإمامة في المغرب والمشرق - لم تُمنَعْ في فجر الاستقلال من مواصلة رسالتها التوجيهية، فحُرِمَت الجماهيرُ الشعبيةُ من "مَرجعِيةٍ" علميةٍ دينيةٍ حُرَّةٍ، تَتَمَتَّعُ بالمصداقية في دعوتها إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فَفُتِحَ البابُ على مصراعَيْهِ لكل مَذْهب وافدٍ من هنا وهناك، ظاهريا وباطنيا –لما تعرَّضَت الجزائرُ للرياح المدمِّرة التي عَرفْنَا ويلاتِهَا في العقد الأخير من القرن الماضي، والتي اكتوينا بنارها في الأيام الأخيرة.

أما جمعيتنا في عهدها الحالي فإنها تحاول، بقدر الإمكان، أن تُواصِلَ رسالتهَا التوجيهيةَ على هَدْيٍ من مبادئ الأصالة ومستلزماتِ المعاصَرة، في كنَفِ الوحْدَة، والحرية، والعدل، والاستقرار، والازدهار.

والله ولي التوفيق والـتأييد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الخميس نوفمبر 29, 2007 12:02 am

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والثورة الجزائرية

..الإمام‮ ‬الإبراهيمي نموذجا



بقلم محمد‮ ‬الهادي‮ ‬الحسني


كان إعلان الجهاد في الجزائر في يوم 5 ربيع الأول 1374 هـ (1 نوفمبر 1954م) مفاجأة كبرى لكل الناس، هنا في الجزائر، وهناك في فرنسا، وهنالك في جميع أنحاء العالم، حيث كان الظن الغالب على الجميع هو أن الشعب الجزائري قد غُلِبَ على أمره، واستولى اليأسُ على قلبه ونفسه، فاستسلم للطغيان الفرنسي.

لقد عقدت المفاجأة ألسنةَ أكثر سياسيينا، وبَهِتَتْ عقولُهم فلم يتكلموا، وانطلقت ألسنةُ «التقدميين» تندد بالأعمال «الإرهابية»، وتصف المجاهدين بأشنع الصفات، وتَنعَتُهُم بأقبح النعوت أهونها أنهم «خارجون عن القانون»، وما كان «قانون» فرنسا إلا كانونًا لا يخضع له إلا الظالم لنفسه.

صوت وحيد شذّ عن أصوات أولئك السياسيين هو صوت الإمام محمد البشير الإبراهيمي، الذي لم يَتَلَجْلَجْ له لسان، ولم يحتر له جَنَان، حيث أصدر الإمام بيانات في العشر الأوائل من بداية الجهاد المبارك، أعلن فيها تأييده للثورة، ومباركته لها، وأشاد بالقائمين بها، وحرضهم على القتال، وأوصاهم بالصبر والمصابرة، وأعاذهم بالله أن يتراجعوا أو يهنوا، وحث الشعب على مؤازرة المجاهدين، وإعدادهم بكل مستطاع من العون.. (انظر هذه البيانات في آثار الإمام الإبراهيمي ج 54).

إن المطلع على فكر الإمام الإبراهيمي لا يستغرب أن يجده أول مؤمن بالثورة، داعيا لها، مناصرا للقائمين بها. فتأييده للثورة وإيمانه بها ليس مراوغة سياسية يهدف من ورائها إلى تسجيل مواقف يتاجر بها، لتحقيق مآرب ونيل مكاسب؛ بل هو تأييد مبدئي يستند إلى ثوابت الدين الإسلامي الذي يعتبر الجهاد -إذا توافرت أشراطه- فرض عين على كل مسلم انتهك عرضه، وسلبت أرضه، واستُبيحَ حماه.

لم يكن إيمان الإمام الإبراهيمي باستعمال القوة لاستعادة الحق المغتصب، واسترجاع الوطن المستَلَب نتيجة تطور فكري أنضجته الأيام، وفرضته التجارب المريرة مع هذا العدو الفرنسي، بل إن فكرة استخدام القوة -عند الإمام- لاستعادة الحق، وطرد العدو كانت قديمة، فقد كتب في سنة 1936 يقول: « إن بغيَ القوي على الضعيف قد طمس معالم الحق بينهما، وردهما إلى نوع من الحيوانية.. حتى أصبحت الاستطالة في الأقوياء طبيعة والاستكانة في الضعفاء طبيعة، وإن طبيعة الأولين لا تتبدل إلا بعد تبدل طبيعة الآخرين، وإن الحقوق التي أخذت اغتصابا لا تسترجع إلا غِلابا(1) »، وأكد هذا المعنى في مقال كتبه في سنة 1950 جاء فيه : « لك الله أيها الشعب المعذب، لقد هُنْتَ عليهم -الفرنسيين- حين هنت على نفسك، إنهم ما ضربوك إلا بعد أن جربوك، وما جَرَفوك إلا بعد أن عرفوك، وما جنوا عليك واتهموك، إلا بعد أن قرأوك وفهموك، فلا تلمهم، ونفسَك فلُم، وغير ما بنفسك وهَلُم(2)» ثم أضاف قائلا : «إن القوم -الفرنسيين- لا يدينون إلا بالقوة، فاطلبها بأسبابها، وأْتِها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخذهما بقوة تعش حميدا، وتمت شهيدا(3) ».

ما كانت أعمال الإبراهيمي والوطنيين المخلصين إلا إيقاظا للشعب وإعدادا له، لأن دفع الشعب إلى عمل مسلح دون وعي منه، ودون إعداد له هو إلقاء به إلى التهلكة على يد الاستعمار الفرنسي الذي هو «أخبث أنواع الاستعمار» كما يصفه الإمام الإبراهيمي. (جريدة البصائر. ع 11 في 20 أكتوبر 1948).

وقد استيقن الإمام الإبراهيمي أن الشعب قد استيقظ من نومه، واستفاق من غفوته، فوعى حقيقته، وعرف حقيقة عدوه، وحقيقة المتاجرين بقضيته، فكتب عن هذه الحقائق مقالا أنهاه بقوله: «ولا يغتر المغترون بهذه الظواهر الهادئة، فما هي إلا أواخر فورة(*) وأوائل ثورة (4)».

ويؤكد هذا الاستيقان -بقرب اندلاع الثورة- عند الإمام الإبراهيمي ما شهد به الدكتور فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق، من أن الإمام الإبراهيمي صرح للوفود العربية والإسلامية التي التقاها في باريس في نهاية 1951، بمناسبة عقد الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلا: «إن الجزائر ستقوم قريبا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات في سبيل نيل استقلالها، وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية (5)».

وقد أقام الإمام الإبراهيمي لتلك الوفود مأدبة باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وألقى في الحاضرين والسَّمَّاعين لفرنسا خطابا هاما، أكد فيه «أن باريس هي منبع شقائنا، وهي الصفحة العابسة في وجوهنا»، وأنه «هيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المر من ثمراتها».

لم يكن الإمام الإبراهيمي عندما توجه إلى باريس للقاء وفود الدول العربية والإسلامية ويطلب منها عرض القضية الجزائرية على الأمم المتحدة مؤمنا أن هذه المنظمة ستعيد إلى الجزائر حقها، وتنصفها من ظالمها، فما هذه المنظمة في رأيه السديد وفكره الرشيد «إلا منظمة سميت بغير اسمها، وحليت بغير صفتها، وما هي إلا مجمع يقود أقوياؤه ضعفاءه، ويسوق أغنياؤه فقراءه، وما هي إلا سوق تشترى فيه الأصوات.. وتباع فيه الذمم والهمم والأمم بيع البضائع في السوق السوداء»، وإنما كان يريد أن يسمع الجميع -أشقاء وأعداء- ما كان يراه قريبا، ويراه الآخرون بعيدا أو مستحيلا، وهو أن هناك «شبابا سينطق يوم يسكتون، وسيتكلم بما يخرس الاستعمار ويسوءه، وأن بعد اللسان لخطيبا صامتا هو السِّنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال.. وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدخرة سيجليها الله إلى حين (6)».

من أجل هذا كله، لم يكن مستغربا أن يكون الإمام الإبراهيمي هو أول زعيم يعلن تأييده للثورة ويدعو إلى مساندتها، أليس هو القائل:

لا نرتضي إمامنا في الصف

ما لم يكن أمامنا في الصف (7) وقد كانت الثورة وهي في أوهن مراحلها، وأولى خطواتها في أشد الحاجة إلى هذا التأييد من إمام يثق الشعب في عمله، ويعرف نزاهته وصدقه، ويلقي السمع لقوله. فكان ذلك التأييد مددا إلهيا لتلك الثورة، وإن أفك الأفاكون، وخرص الخراصون.

لم يكتف الإمام الإبراهيمي في هذا التأييد والمساندة بتلك البيانات الأولى التي أذاعها في الأيام الأولى للثورة، ولكنه سعى بكل طاقته لحشد التأييد العربي والإسلامي لها، مستغلا مكانته عند قادة الدول العربية والإسلامية، وسمعته عند تلك الشعوب، فألقى أحاديث في إذاعة «صوت العرب»، فكان صوت الثورة قبل أن تؤسس جهازها الإعلامي. وقد استنصر الإمام في أحاديثه تلك العرب والمسلمين لنصرة الثورة الجزائرية، وذكر المسلمين بحرمة موالاة الاستعمار بالقول أو بالفعل، وجاب الإمام الأقطار العربية -رغم علو سنه واشتداد علله- لجمع الأموال التي كانت الثورة في أمس الحاجة إليها.

لقد بلغ حماس الإمام الإبراهيمي للثورة، ولجهاد شعبه إلى درجة جعلته لا يلقي بالا للاعتبارات الدبلوماسية، حيث كتب رسالة إلى الملك سعود بن عبد العزيز في 9 جانفي 1955 يطلب منه أن يكلف الأستاذين أحمد الشقيري وعبد الرحمان عزام -أو أحدهما- لمتابعة قضايا الجزائر والدفاع عنها، وذلك بإلحاقهما بسفارة السعودية في واشطن (.

وقد لبّى الملك سعود -رحمه الله- طلب الإمام الإبراهيمي، فعين أحمد الشقيري -رحمه الله- ممثلا للسعودية في الأمم المتحدة، فكان نعم المدافع، وكان نعم المجادل عن القضية الجزائرية، وكان في ذلك كله جزائريا أكثر من كثير من الجزائريين.

وقد ذهب الإمام الإبراهيمي إلى أبعد مدى في نصرة جهاد شعبه عندما طلب من شيخ الجامع الأهر في 12 نوفمبر 1954 أن يؤذن في المسلمين بالجهاد لمؤازرة الثورة الجزائرية، كما أشار إلى ذلك ضابط المخابرات الفرنسية الكومندان جاك كاري (9).

وما أن لاحت تباشير استعادة الحرية واسترجاع الاستقلال حتى علا صوت الإمام الإبراهيمي مرة أخرى محذرا من سماسرة يتربصون ليسرقوا أمجاد هذه الثورة، ويشوهوا وجهها، ويحرفوا مبادئها، ويسيئوا تصويرها، فكتب مواصفات من يتصدى لكتابة تاريخها، والمبادئ التي قامت عليها، وجاهدت في سبيلها(1).

لم يكن إيمان الإمام الإبراهيمي بالثورة، وتأييده لها، ووقوفه معها بهدف نيل منصب أو تحقيق مكسب، ولكنه كان موقفا مبدئيا يفرضه الدين -وهو أحد علمائه- وتوجبه الوطنية -وهو أحد روادها- وتحتمه المروءة -وهو أحد شاراتها-، ولذلك لم يلهث -مع اللاهثين- في الجزائر «المستقلة» لأخذ قصر من قصورها، أو امتلاك شبر من أرضها، أو إحراز منصب في مؤسساتها. وقد حدثني الشيخ علي شنتير -رحمه الله- عن الأجر الذي كان يتقاضاه الإمام الإبراهيمي، وأستحي أن أذكره، بينما كان أحد السماسرة الأجانب، وهو بابلو رابيتيس التروتسكي يشغل منصبا ساميا في الدولة الجزائرية، «يتقاضى -كما شهد الرئيس هواري بومدين- مرتبا شهريا قدره مليون فرنك (1)».

رحم الله الإمام الإبراهيمي، وحشره مع الذين رضي عنهم من النبيئين والصديقين والشهداء، ولقّاه نظرة وسرورا.

الهوامش‮:‬
(1) ‬جريدة‮ ‬البصائر‮. ‬ع‮ ‬37‮ ‬بتاريخ‮ ‬2‮ ‬‭/‬‮ ‬10‮ ‬‭/‬‮ ‬1936‮. ‬وآثار‮ ‬الإبراهيمي‮ ‬ج‮ ‬1‮. ‬ص‮ ‬283‮.‬
(3) (2)..‬البصائر‮. ‬ع‮ ‬146‮ ‬بتاريخ‮ ‬2‮ ‬مارس‮ ‬1950‮. ‬والآثار‮ ‬ج‮ ‬3‮ ‬ص‮ ‬379‮.‬
‭*‬‮ ‬المقصود‮ ‬بالفورة‮ ‬حوادث‮ ‬8‮ ‬ماي‮ ‬1945‮. ‬ولعله‮ ‬يشير‮ ‬بالثورة‮ ‬إلى‭ ‬تكوين‮ »‬المنظمة‮ ‬الخاصة‮« ‬التي‮ ‬أُسست‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1949‮.‬
(4) ‬البصائر‮. ‬ع‮ ‬47‮ ‬في‮ ‬30‮ ‬‭/‬‮ ‬8‮ ‬‭/‬‮ ‬1948‮. (‬آثار‮ ‬الإبراهيمي‮ ‬ج‮ ‬3‮. ‬ص‮ ‬210‮)‬
(5) ‬فاضل‮ ‬الجمالي‮: ‬الشيخ‮ ‬البشير‮ ‬الإبراهيمي‮ ‬كما‮ ‬عرفته‮. ‬مجلة‮ ‬الثقافة‮. ‬ع‮ ‬87‮. ‬الجزائر‮. ‬ماي‮ - ‬جوان‮ ‬1985‮. ‬ص‮ ‬23‮.‬
(6) ‬انظر‮ ‬الخطاب‮ ‬في‮ ‬البصائر‮. ‬ع‮ ‬183‮ ‬في‮ ‬18‮ ‬‭/‬‮ ‬2‮ ‬‭/‬‮ ‬1952‮. (‬آثار‮ ‬الإبراهيمي‮. ‬ج‮ ‬2‮. ‬ص‮ ‬464‮ - ‬472‮).‬
(7) ‬عبد‮ ‬الله‮ ‬العقيل‮: ‬من‮ ‬أعلام‮ ‬الحركة‮ ‬والدعوة‮ ‬الإسلامية‮. ‬ص‮ ‬86‮.‬ (8) ‬آثار‮ ‬الإمام‮ ‬الإبراهيمي‮. ‬ج‮ ‬5‮. ‬ص‮ ‬51‮.‬
(9) ‬Jacques Carret: l'association dese Olamas d'Algérie
(10) آثار‮ ‬الإمام‮ ‬الإبراهيمي‮. ‬ج‮ ‬5‮. ‬ص‮ ‬250‮.‬
(11) ‬لطفي‮ ‬الخولي‮: ‬عن‮ ‬الثورة،‮ ‬في‮ ‬الثورة،‮ ‬بالثورة‮ (‬حوار‮ ‬مع‮ ‬بومدين) ‬ص‮ ‬106‮.‬


يتبع


عدل سابقا من قبل في الجمعة نوفمبر 30, 2007 10:23 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
Admin



عدد المساهمات: 58
تاريخ التسجيل: 16/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: جمعية العلماء المسلمين الجزائرين   الخميس نوفمبر 29, 2007 12:38 am






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allsalafi.ahlamontada.com
 

جمعية العلماء المسلمين الجزائرين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تراث الامة بين يديك ::  ::  :: -